
في حياة كل إنسان لحظات يختبر فيها صدق نظرته للناس، حين تتراكم حول بعضهم الحكايات، وتتشابك فوق أسمائهم الظنون، حتى يضيع الوجه الحقيقي خلف ضجيج الروايات. هناك، فقط، يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون معرفيًا: هل نصدق ما يُقال… أم نبحث عما هو أعمق مما يُقال؟
قليلون هم الذين عرفتهم عن قرب، ثم اكتشفت أن المسافة بين صورتهم في أذهان الناس وحقيقتهم في الواقع، ليست مجرد فرق… بل ظلم كامل. وكان من هؤلاء، بل في مقدمتهم، الفنان الراحل سمير صبري.
لم تكن معرفتي به معرفة عابرة أو لقاءات مناسبات، بل بدأت في مكان له رمزيته في حياتي السياسية والشخصية: منزل فؤاد باشا سراج الدين. هناك، في ذلك البيت الذي كان شاهدًا على زمنٍ كامل من السياسة المصرية، التقيت سمير صبري للمرة الأولى، ولم أكن أدري أن هذه البداية ستفتح باب علاقة إنسانية ممتدة لسنوات طويلة.
بعد ذلك اللقاء، توالت الزيارات، وتكررت الجلسات، حتى صار التواصل بيننا أمرًا طبيعيًا. كان بيتي قريبًا من بيته، وكان حضوره يحمل دائمًا نفس الملامح: البساطة، والود، ودفء إنساني لا يتصنع.
كان هناك مشهد لا أنساه أبدًا.
أول ما يدخل سمير صبري بيتي… يطلب سجادة الصلاة.
لم يكن ذلك سلوكًا عابرًا أو استعراضًا أمام أحد، بل كان جزءًا أصيلًا من شخصيته. رأيت فيه التزامًا روحيًا هادئًا، لا يرفع صوته ولا يطلب شهادة من أحد. كان يعرف طريقه إلى الله كما يعرف طريقه إلى الناس.
على مدار تلك السنوات، لم أرَ فيه نقصًا في القيم، ولا خللًا في الفكر، ولا تناقضًا بين ما يقال عنه وما رأيته بعيني. على العكس تمامًا، كان موسوعة ثقافية تمشي على قدمين؛ ذاكرة مفتوحة للفن والسياسة والمجتمع، وقلبًا ممتلئًا بالإنسانية.
عشنا سنوات طويلة نسمع الأقاويل والشائعات تتردد حوله. بعضها كان يُقال بخفة، وبعضها يُلقى بثقل الاتهام، حتى ظن البعض أنها حقائق لا تقبل الشك. لكن الحقيقة – كما تعلمنا – لا تصرخ، بل تبقى صامتة حتى يراها من يقترب.
والاقتراب من سمير صبري كان كافيًا ليكشف الوجه الآخر الذي غاب عن كثيرين.
كان رجلًا حريصًا على صلاته، يقطع المسافات لأداء صلاة الجمعة في جامع المنتزه، لا باعتبارها واجبًا اجتماعيًا، بل باعتبارها علاقة خاصة بينه وبين الله.
كان أيضًا سفيرًا للخير في الخفاء. لم يكن يكتفي بالتبرع أو الدعم من بعيد، بل كان يذهب بنفسه إلى أسر متعففة في مناطق مثل بحري بالإسكندرية وغيرها، يحمل إليهم ما قسمه الله له، ويحرص على أن تصل الأمانة بيده. حتى في أصعب فترات مرضه، لم يتخلَّ عن هذا الدور.








