تقرير المصير الاقتصادي يضع تونس على أعتاب مرحلة حرجة من المواجهة

تواجه الجمهورية التونسية في مطلع العام الجاري اختبارا شديد التعقيد مع بروز توجهات رسمية حاسمة تتبنى ملف تقرير المصير الاقتصادي كمنهجية وطنية شاملة. تهدف التحركات الحكومية الحالية إلى تكريس السيادة المالية عبر المخطط التنموي الممتد حتى عام ألفين وثلاثين، وسط حالة من الترقب السياسي الذي يسيطر على الأوساط المحلية نتيجة التحولات الجذرية في آليات التمويل المتبعة لسد الفجوات التمويلية.
تتبنى السلطات في الجمهورية التونسية استراتيجية الاعتماد على الذات لتمويل الأولويات الاجتماعية والاقتصادية بعيدا عن الوصفات الدولية الجاهزة. تعكس بنود قانون المالية لعام ألفين وستة عشر رغبة واضحة في تحويل الميزانية إلى أداة سيادية قادرة على دفع عجلة الإنتاج المحلي. تسعى الحكومة من خلال هذا المسار إلى فك الارتباط تدريجيا مع التزامات خارجية أرهقت الموازنة العامة خلال العقود الماضية، معلنة الدخول في طور جديد من الإدارة المالية الوطنية.
مخاطر التوسع في الاقتراض الداخلي وتراجع خدمة الدين
تستهدف المؤشرات الرسمية المعلنة للميزان الاقتصادي تحقيق معدلات نمو تصل إلى ثلاثة فاصلة ثلاثة بالمئة خلال العام الجاري. تعول الدوائر الاقتصادية على انتعاش قطاعي الفلاحة والصناعة لتحقيق هذه الطفرة المأمولة، رغم تحذيرات المؤسسات المالية الدولية من هشاشة الوضع الراهن. تراهن الحكومة على تقليص خدمة الدين العمومي بنسبة تصل إلى خمسة فاصلة ثمانية بالمئة، لتبلغ القيمة الإجمالية نحو ثلاثة وعشرين مليار دينار خلال الدورة المالية الحالية.
تثير خطة تعبئة أكثر من تسعة عشر مليار دينار من السوق المحلية تساؤلات عميقة حول قدرة القطاع المصرفي على تحمل أعباء تمويل الميزانية. يتصدر البنك المركزي المشهد عبر برمجة إقراض الدولة مبلغا قدره أحد عشر مليار دينار، ما يعادل نحو ثلاثة مليارات وسبعمئة مليون دولار، مخصصة حصريا لسداد التزامات ديون خارجية سابقة. تسبب هذا التوجه في إثارة مخاوف حقيقية لدى المحللين بشأن استقلالية السياسة النقدية واحتمالات تصاعد موجات التضخم التي تنهك القدرة الشرائية.
تراجع مؤشرات الحرية وضغوط المديونية العامة القياسية
تسجل التقارير الرقابية وصول الدين العام في الجمهورية التونسية إلى مستويات قياسية قاربت خمسة وثمانين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ترفض القوى المعارضة استمرار سياسة الاقتراض لتغطية العجز والإنفاق الجاري، محذرة من غياب رؤية واضحة لتحقيق الاستقرار المالي المستدام. تزامن ذلك مع تراجع مقلق في مؤشر الحرية الاقتصادية العالمي، حيث تذيلت الجمهورية التونسية القائمة بالمرتبة مئة وستة وخمسين نتيجة تعاظم البيروقراطية وتدهور مناخ الاستثمار المباشر.
يرصد المتابعون زيادة ملموسة في وتيرة الاحتجاجات والتحركات المطلبية نتيجة تردي أوضاع التشغيل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق. تبقى التوقعات الدولية لمعدلات النمو متواضعة للغاية، حيث لا تتجاوز تقديرات صندوق النقد الدولي حاجز الاثنين فاصلة واحد بالمئة. يضع تعليق المفاوضات بشأن القرض الدولي البالغة قيمته مليار وتسعمئة مليون دولار صانع القرار أمام خيارات صعبة، تتأرجح بين إصدار صكوك بقيمة سبعة مليارات دينار أو مواجهة صدمات أسعار الطاقة العالمية بآليات ذاتية محدودة.






