د. أيمن نور يكتب: موازنة الجباية في ٢٠٢٧/٢٠٢٦.. عجزٌ وديون تبتلع كل شيء

يطرح هذا المقال خمسة محاور رئيسية لا يجوز القفز فوقها: أولها أن موازنة 2026/2027 تكشف عجزًا لا تعالجه الأرقام المعلنة بقدر ما تُعيد ترتيبه. وثانيها أن الفائض الأولي الكبير ليس دليل عافية كاملة ما دامت الفوائد تلتهم جانبًا خطيرًا من الإيرادات. وثالثها أن التوسع الضريبي والجبائي يسبق الإصلاح الإنتاجي، فيضغط على المواطن والسوق والطبقة الوسطى. ورابعها أن مبادئ وحدة الموازنة والشفافية والرقابة البرلمانية تتعرض لاختبار قاسٍ. وخامسها أن أثر هذه الموازنة لا يقاس داخل القاعة، بل عند باب المخبز، وشباك الدواء، وفاتورة الكهرباء، وحقيبة المدرسة، ووجه الموظف الذي يدخل الشهر مثقلًا ويخرج منه مدينًا.
تعود بي جلسات الموازنة دائمًا إلى سنوات طويلة تحت قبة البرلمان، وإلى نحو عشر سنوات في لجنة الخطة والموازنة، حيث تعلمت أن أخطر رقم في الموازنة ليس بالضرورة أكبر رقم، بل الرقم الذي يختبئ خلفه اتجاه سياسي كامل. الموازنة لا تقول لنا فقط: كم تنفق الدولة؟ بل تقول لنا: لمن تنحاز؟ وممن تأخذ؟ وعلى من تُحمّل الفشل؟ وأي مستقبل تشتريه؟ وأي مستقبل ترهنه؟
ألقى وزير المالية أحمد كجوك البيان المالي أمام مجلس النواب يوم 22 أبريل 2026، معلنًا إيرادات عامة مستهدفة بنحو 4 تريليونات جنيه، ومصروفات بنحو 5.1 تريليون جنيه، وعجزًا كليًا مستهدفًا 4.9% مقابل 6.1% في العام المالي الحالي، وفائضًا أوليًا 1.2 تريليون جنيه بما يساوي 5% من الناتج المحلي، مع استهداف خفض الدين إلى نحو 78% من الناتج بنهاية يونيو 2027. تبدو الأرقام للوهلة الأولى منضبطة، لكنها تشبه جدارًا مطليًا حديثًا في بيت تتآكل أساساته من الرطوبة.
فجوة اسمية وعجز مؤجل
يعني الفرق المباشر بين الإيرادات والمصروفات أن هناك فجوة اسمية تقارب 1.1 تريليون جنيه قبل قراءة التفاصيل الأعمق، وهي فجوة تمثل جوهر العجز النقدي الذي ستبحث الدولة عن تمويله بالدين أو إعادة التمويل أو الاقتراض المحلي أو الخارجي. الرقم ليس محاسبة جامدة؛ إنه فاتورة مؤجلة ستعود إلى المواطن في صورة فوائد أعلى، أو ضرائب أوسع، أو خدمات أضعف، أو تضخم يأكل ما تبقى من الأجر.
تتحدث الحكومة عن خفض العجز الكلي إلى 4.9%، وهذه النسبة في ظاهرها أقل من 6.1%، لكنها لا تصبح إنجازًا حقيقيًا إلا إذا عرفنا كيف تحقق الخفض: هل جاء من زيادة إنتاج وصادرات واستثمار خاص؟ أم من عصر الضرائب، وتجميد بعض المصروفات، وتأجيل مستحقات، وخفض استثمار عام، ونقل أعباء إلى خارج الصورة؟ العجز ليس رقمًا واحدًا؛ العجز قصة دولة تعيش فوق طاقتها أو دون أولوياتها.
يكشف العجز عن مرضين متلازمين: مرض في بنية الإيرادات، ومرض في بنية الإنفاق. الإيرادات تعتمد أكثر فأكثر على الضرائب والرسوم وما في حكمها، بينما تظل الإيرادات الإنتاجية وغير السيادية أضعف من المطلوب. والإنفاق تبتلعه خدمة الدين والدعم التعويضي والأجور التي تلاحق التضخم دون أن تلحق به. لذلك تبدو الموازنة كمن يملأ إناءً مثقوبًا؛ كلما زاد الصبّ زاد النزيف.
التوسع الجبائي قبل الإصلاح الإنتاجي
تستهدف الحكومة تحصيل 2.785 تريليون جنيه ضرائب في 2026/2027 مقابل 2.202 تريليون في العام الحالي، أي بزيادة ضخمة تقترب من 583 مليار جنيه. وتؤكد الحكومة أن الزيادة ستأتي من توسيع القاعدة لا من فرض أعباء جديدة. غير أن المواطن لا يفرّق كثيرًا بين ضريبة جديدة، ورسم جديد، وغرامة جديدة، وزيادة في فاتورة خدمة عامة، ما دام الأثر النهائي واحدًا: يد الدولة تمتد إلى جيبه قبل أن تمد له خدمة حقيقية.
تعني هذه الزيادة أن الضرائب وحدها تقترب من 70% من الإيرادات العامة المستهدفة، وأن الرافد السيادي والجبائي صار العمود الأكبر في بيت الموازنة. وهذا ليس مجرد رقم، بل عنوان لاتجاه خطر: دولة تزداد قدرتها على التحصيل أسرع من قدرتها على الإنتاج، وتتوسع في القبض قبل أن تتوسع في العائد، وتطلب من المواطن أن يدفع مقدمًا عن خدمة قد لا تأتي.
تتراجع عدالة النظام المالي عندما تصبح الجباية أسرع من الإنتاج. الدولة التي تجمع كثيرًا ولا تنتج كثيرًا تتحول إلى محصل كبير لا إلى مدير اقتصاد. والضريبة في الفلسفة المالية الحديثة ليست عقوبة على الحياة، بل مساهمة في بناء خدمة عامة. يدفع المواطن في الدول المتقدمة نسبة أعلى، لكنه يستردها خدمات، بينما تتآكل الثقة في الحالة المصرية مع اتساع الفجوة بين ما يُدفع وما يُسترد.
موازنة خدمة دين لا موازنة تنمية
تكشف المقارنة الدولية جانبًا بالغ الدلالة. نسبة الضرائب إلى الناتج في مصر تدور حول 13% إلى 14%، بينما تتجاوز 30% في اقتصادات متقدمة، لكن الفارق الحقيقي ليس في الرقم بل في العائد الاجتماعي. هناك تتحول الضريبة إلى خدمة، وهنا تتحول إلى عبء.
يصبح العجز أكثر خطورة عندما نقرأه بجوار الفوائد. تشير تقديرات مالية موثوقة إلى أن مدفوعات الفائدة تلتهم ما يقارب 70% من الإيرادات العامة، وهو ما يحول الموازنة فعليًا إلى موازنة خدمة دين لا موازنة تنمية.
يفرح الخطاب الحكومي بالفائض الأولي البالغ 1.2 تريليون جنيه، لكنه لا يقول إن هذا الفائض يُحسب قبل دفع الفوائد. ومع ارتفاع كلفة الدين، يتحول الفائض إلى رقم بلا أثر، وتتحقق المفارقة القاسية:
الدولة تحقق فائضًا… والمواطن يعيش عجزًا.
تضغط الفوائد على حياة الناس بطرق غير مباشرة: تقل مخصصات الخدمات، يتراجع الاستثمار، تزاحم الحكومة القطاع الخاص، وتُغلق أبواب العمل.
يثبت قرار البنك المركزي بتثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة أن الاقتصاد يدور في دائرة مغلقة: فائدة عالية لمواجهة التضخم، فتزيد كلفة الدين، فتزداد الحاجة للجباية، فيتراجع النشاط، فيعود التضخم من جديد.
المواطن يدفع العجز خمس مرات
تبدو مخصصات الأجور (821 مليار جنيه) كبيرة في ظاهرها، لكنها تتآكل أمام تضخم مرتفع. كما أن مخصصات الدعم (832.3 مليار جنيه) تحولت إلى تعويض متأخر لا حماية مسبقة.
يعني العجز للمواطن البسيط ثلاث حقائق: ارتفاع أعباء المعيشة، تراجع جودة الخدمات، وضبابية المستقبل.
تتزايد خطورة العجز مع البيئة الخارجية: اضطرابات البحر الأحمر، تراجع إيرادات قناة السويس، تقلبات الطاقة، وتوترات الإقليم. كل هذه العوامل تضغط على موارد الدولة وتُضعف قدرتها على الالتزام بتقديراتها.
الخطر الحقيقي لا يكمن في العجز المعلن، بل في العجز المتوقع. فالموازنة لم تضع في اعتبارها، بالقدر الكافي، استمرار الأزمات الإقليمية، واحتمالات الحرب في الخليج، وتأثيراتها المباشرة على ستة روافد رئيسية:
أولًا: تحويلات المصريين في الخليج، التي تمثل شريانًا حيويًا معرضًا للتراجع مع أي اضطراب إقليمي أو تغير في سياسات الدعم والاستثمار.
ثانيًا: عائدات السياحة، التي تتأثر سريعًا بأي تصعيد، بما ينعكس على العملة والإيرادات.
ثالثًا: قناة السويس، التي أثبتت هشاشتها أمام التوترات، وتراجع إيراداتها بالفعل في فترات قريبة.
رابعًا: الضرائب المباشرة، التي تعتمد على نشاط اقتصادي يعاني من ضغوط حادة.
خامسًا: الضرائب الجمركية، التي تتأثر باضطراب التجارة وارتفاع تكاليف الاستيراد.
سادسًا: الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى فتح فجوة إضافية في الإنفاق.
إذا اجتمعت هذه العوامل، فإن العجز الفعلي قد يتجاوز التقديرات بكثير، حتى لو بقي الرقم الرسمي ثابتًا.
العجز في حياة الناس
العجز ليس رقمًا في تقرير، بل واقع يومي:
في سعر الخبز
في فاتورة الكهرباء
في علاج مريض
في تعليم طفل
المواطن يدفع العجز خمس مرات: ضريبة، تضخم، خدمة ضعيفة، فرصة ضائعة، وقلق دائم.
سؤال دستوري جوهري
في قلب هذا المشهد، تبرز مسألة لا تقل خطورة عن العجز نفسه: مدى الالتزام بالنسب الدستورية للإنفاق على الصحة والتعليم. فالدستور المصري ألزم الدولة بحدود دنيا واضحة للإنفاق العام على هذين القطاعين الحيويين، بوصفهما حقًا أصيلًا للمواطن لا بندًا تفاوضيًا في الموازنة.
غير أن القراءة الدقيقة لبنود الموازنة تكشف أن ما يُعلن من أرقام لا يعكس دائمًا إنفاقًا فعليًا مباشرًا على الخدمة، بل قد يتضمن بنودًا محاسبية لا تصل إلى المريض أو الطالب. وهنا تتجلى المشكلة: ليس فقط في حجم الإنفاق، بل في طبيعته، ومدى التزامه بروح النص الدستوري لا حرفيته الشكلية.
هذا الخلل لا يطرح سؤالًا ماليًا فقط، بل سؤالًا دستوريًا جوهريًا: هل تظل الموازنة مشروعة إذا لم تلتزم فعليًا بالحد الأدنى الذي أقره الدستور للصحة والتعليم؟
من واقع الخبرة البرلمانية، فإن أي موازنة لا تحترم هذا الالتزام تظل محل شك من حيث سلامتها الشكلية، قبل أن تكون محل نقد من حيث مضمونها. لأن الدستور هنا ليس نصًا إرشاديًا، بل قاعدة ملزمة، تمس مباشرة حق الإنسان في العلاج والتعليم.
أين دور البرلمان؟
تتعرض قاعدة وحدة الموازنة لاهتزاز واضح مع تعدد الكيانات خارج الإطار الكامل، كما تظل الشفافية ناقصة ما لم تُخضع كل الموارد لنفس الرقابة.
أتذكر في لجنة الخطة والموازنة أن النقاش الحقيقي لم يكن يبدأ عند الأرقام، بل عند السؤال: ما الذي لا تقوله الموازنة؟
اليوم، يحتاج مجلس النواب إلى استعادة هذا الدور: مساءلة حقيقية، لا تصديق شكلي.
تكشف المقارنة مع الموازنات السابقة أن الحجم يتضخم، لكن النوع لا يتحسن، وأن العجز يعاد إنتاجه لا إنهاؤه.
معالجة العجز لا تكون بزيادة التحصيل فقط، بل بإعادة بناء الاقتصاد، وضبط الإنفاق، وإعادة الاعتبار للعدالة.
البلاد لا تُقاس بما تجمعه من الناس، بل بما تعيده إليهم حياةً… وكرامةً… وأملًا.
لأن الإنسان المصري ليس بندًا في الموازنة… بل هو الموازنة نفسها.






