شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: العجز المالي و الدستوري.. دستور يا أسيدنا

وقف وزير المالية أمام مجلس النواب في الثاني والعشرين من هذا الشهر، عارضا مشروع الموازنة العامة الجديدة، كاشفا أرقاما تبدو مكتملة البناء، لكنها تفتح في عمقها سؤالا لا يقبل التأجيل: هل ما يعرض تحت القبة وثيقة مالية فحسب، أم امتحان دستوري مكتمل الأركان؟ لغة الأرقام
تطمئن ظاهرا، لكنها في باطنها تضع النص الأعلى للدولة أمام ميزان الاختبار.

تنطلق هذه الموازنة من لحظة اقتصادية ضاغطة، لكن الضغوط لا تنشئ شرعية، ولا تمنح حقا في تجاوز النصوص. نصوص الدستور ليست توصيات مرنة، بل قواعد آمرة، تلزم الدولة بحدود دنيا للإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمي، باعتبارها حقوقا لا تقبل التأجيل ولا التفاوض.

يفرض هذا السياق قراءة قانونية دقيقة لما قدم، لأن القضية لم تعد مجرد عجز مالي يمكن تبريره، بل عجز دستوري لا يجوز التساهل معه. ما بين ما عرض في الثاني والعشرين من هذا الشهر، وما أوجبه الدستور، تقف فجوة لا تردم بالتبرير، بل بالالتزام.

تنص المواد (18)، (19)، (21)، (23) من الدستور المصري على نسب دنيا واضحة للإنفاق على القطاعات الحيوية. تلك النصوص لم تكتب كزينة تشريعية، بل كصمام أمان اجتماعي، يضمن أن يظل الإنسان في قلب الموازنة، لا في هامشها.

تكشف القراءة المتأنية لبنود الموازنة أن ما يخصص فعليا للصحة والتعليم والبحث العلمي لا يقترب من تلك النسب الدستورية عند القياس الحقيقي، لا المحاسبي. إعادة تصنيف المصروفات أو دمجها قد يجمل الأرقام، لكنه لا يغير من واقع الخدمة المقدمة للمواطن.

يزداد المشهد وضوحا حين نضع هذه الأرقام في سياقها الدولي، لأن المقارنة هنا ليست ترفا بل أداة قياس. تدور مخصصات الصحة في مصر حول 1 إلى 1.5% من الناتج القومي، بينما يلزم الدستور بنسبة لا تقل عن 3%، في وقت توصي فيه المعايير الدولية بمستويات أعلى لضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية. في المقابل، تصل نسب الإنفاق الصحي في دول عديدة ذات موارد مماثلة إلى مستويات مضاعفة، إدراكا منها أن الصحة ليست بندا إنفاقيا، بل استثمارا في بقاء الدولة ذاتها.

يكشف التعليم بدوره فجوة أكثر عمقا. تدور نسب الإنفاق الفعلي في مصر حول 1.5% إلى نحو 2.5% من الناتج القومي، بينما يقترب المتوسط في العديد من الدول من 4.5% إلى 6%. دول في الإقليم ذاته، كالمغرب وتونس، نجحت في الاقتراب من هذه المعدلات، رغم تحديات اقتصادية مشابهة. الفارق هنا لا يفسَّر بالموارد وحدها، بل بترتيب الأولويات.

تعكس هذه المقارنات حقيقة لا يمكن إنكارها: الفجوة ليست بين مصر والدول المتقدمة فقط، بل بينها وبين دول تشاركها نفس القيود الاقتصادية. إنفاق أقل من المتوسط العالمي لا يعني فقط ضعف الخدمة، بل تآكل القدرة التنافسية للدولة في المستقبل.

تترجم هذه الأرقام في الواقع إلى عبء مباشر على المواطن. صحة أقل تعني تكلفة علاج أعلى، وتعليم أقل يعني فجوة فرص أوسع، وبحث علمي محدود يعني تبعية ممتدة. هنا تتحول الموازنة من وثيقة مالية إلى وثيقة تحدد شكل المجتمع القادم.

يطرح ذلك سؤالا عن فلسفة إعداد الموازنة: هل تبنى على منطق المحاسبة فقط، أم على منطق الحقوق؟ النص الدستوري حسم هذا الجدل، فجعل من الإنفاق على الإنسان أولوية لا تخضع للمساومة.

تفرض هذه المعطيات مسؤولية مضاعفة على البرلمان، بوصفه الجهة المختصة بالاعتماد. سلطة الإقرار ليست إجراء شكليا، بل رقابة دستورية. تمرير موازنة تخالف النصوص لا يعني فقط إجازة أرقام، بل إقرار سابقة تمس جوهر الشرعية.

تقتضي المعالجة إعادة ترتيب حقيقية للأولويات، لا زيادات شكلية في البنود. إعادة الهيكلة تعني توجيه الموارد نحو القطاعات التي نص عليها الدستور، وتقليص الإنفاق غير المنتج، ووقف الهدر الذي لا ينعكس على حياة المواطنين.

يستلزم التصحيح كذلك وضع آليات رقابية مستقلة لقياس الالتزام الفعلي بالنسبة من الناتج القومي، لا من إجمالي المصروفات، مع إلزام الحكومة بتقديم بيانات شفافة قابلة للمراجعة.

يظل الإصلاح التشريعي ضرورة مكملة، عبر تعريف واضح لبنود الإنفاق الدستوري، يمنع أي تلاعب محاسبي، ويخضع الأرقام لرقابة حقيقية لا شكلية.

تقود هذه القراءة إلى نتيجة لا لبس فيها: موازنة لا تحترم الدستور تفقد نفسها شرعيتها، مهما بلغت دقة أرقامها. النص لا يزيَّن بالأرقام، بل يحترم بالالتزام.

يبقى السؤال مطروحا أمام السلطة التنفيذية والتشريعية معا: هل تدار الدولة بالأرقام أم بالدستور؟ الإجابة لن تكتب في بنود الموازنة، بل في القرار الذي سيحدد ما إذا كانت هذه الوثيقة تعبيرا عن دولة القانون… أم التفافا عليه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى