مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: محاكمات اليوم في دمشق ليست محاكمة صورية.. بل مسار قانوني غير مكتمل يحتاج إلى تصويب

“العدل أساس العمران” – ابن خلدون
تمثل هذه اللحظة فرصة تاريخية لإنصاف الضحايا، وفرصة طال انتظارها لفتح باب العدالة بعد سنوات من المعاناة. إنها ليست مجرد محاكمة، بل بداية حلم نريده أن يتحقق، ومسار نأمل أن يكتمل. لذلك، فإن المسؤولية اليوم لا تقتصر على إطلاق هذه الخطوة، بل على حمايتها وتطويرها، حتى لا تضيع هذه الفرصة التي طال انتظارها، بل تتحول إلى نقطة تحول حقيقية في مسار العدالة.

يمثّل انطلاق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب أمام القضاء السوري خطوة مفصلية في مسار السعي نحو المساءلة، ليس فقط لارتباطها ببدايات الانتهاكات، بل لأنها تنقل الملف من دائرة الاتهام السياسي والإعلامي إلى حيّز المعالجة القضائية. هذه الخطوة بحد ذاتها تُعد تطورًا مهمًا يمكن اعتباره بداية تأسيس لمسار عدالة وطني، حتى وإن كان هذا المسار لا يزال في طور التشكّل ويحتاج إلى استكمال وتصويب.

من الناحية الإجرائية، تُنظر الدعوى أمام محكمة جنايات عادية ووفق أحكام قانون العقوبات السوري وقانون أصول المحاكمات الجزائية، استنادًا إلى ادعاء شخصي مقدّم من عدد من المتضررين، دون أن تكون الدولة طرفًا مدعيًا في الدعوى. ويعكس ذلك من جهة قدرة الضحايا على تحريك الدعوى العامة، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود الإطار القانوني الحالي، حيث تُعالج الأفعال ضمن توصيفها كجرائم عادية، دون إدراجها ضمن الجرائم الدولية الأشد خطورة.

ورغم هذه المحدودية، فإن للمحاكمة قيمة قانونية لا يمكن إنكارها. فهي تؤسس لسجل قضائي رسمي يوثّق الوقائع، وتفتح الباب أمام إصدار قرارات اتهام ومذكرات توقيف، بما في ذلك مذكرات ذات طابع دولي، الأمر الذي يعزّز إمكانية الملاحقة مستقبلاً ويُبقي الملف حيًا قانونيًا. كما تسهم في تثبيت مسؤوليات فردية على أساس قضائي، وهو ما يتقاطع مع المبادئ التي ترعاها الأمم المتحدة في مكافحة الإفلات من العقاب، ومع الممارسات التي تعتمدها المحكمة الجنائية الدولية في توثيق الجرائم الجسيمة وملاحقة مرتكبيها.

غير أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في مبدأ المحاكمة، بل في توقيتها والإطار القانوني الذي تستند إليه. فالمباشرة بالإجراءات قبل إقرار تشريعات خاصة بالعدالة الانتقالية، وقبل إدراج جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضمن القانون الوطني، قد تؤدي عمليًا إلى تثبيت توصيف قانوني ضيق للأفعال. ويزداد هذا التعقيد في ظل مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية الأشد، ما قد يحدّ لاحقًا من إمكانية إعادة تكييف الأفعال ضمن الجرائم الدولية إذا ما تم اعتماد تشريعات جديدة.

وينعكس هذا الأمر بشكل مباشر على الأثر الدولي للمحاكمة، حيث إن توصيف الأفعال كجرائم عادية يُخضع طلبات التسليم لشروط تقليدية مثل ازدواجية التجريم، وقد يفتح المجال لرفض التعاون من بعض الدول، خاصة إذا اعتُبرت التهم ذات طابع سياسي أو مرتبطة بنزاع داخلي. في المقابل، فإن توصيفها كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يمنحها وزنًا قانونيًا أكبر، ويعزز فرص التعاون الدولي، ويقوّي مذكرات التوقيف الصادرة بشأنها، فضلًا عن أن هذه الجرائم لا تخضع للتقادم وفق المعايير الدولية، ما يوسّع نطاق الملاحقة على المدى الطويل.

يُضاف إلى ذلك عامل عملي مهم يتمثل في استمرار عقوبة الإعدام ضمن الإطار القانوني الحالي، وهو ما قد يدفع عددًا كبيرًا من الدول إلى التردد أو رفض التعاون في تنفيذ طلبات التسليم، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على فعالية الملاحقة خارج الحدود.

ومع ذلك، فإن وصف هذه المحاكمة بأنها صورية لا يبدو توصيفًا دقيقًا. فوجود دعوى قائمة، وإجراءات قضائية فعلية، وأدلة تُناقش أمام محكمة مختصة، يمنحها طابعًا جديًا لا يمكن إنكاره. إلا أنها، في المقابل، تظل محاكمة غير مكتملة من حيث الإطار القانوني، ما يستدعي التعامل معها كمرحلة تأسيسية قابلة للتطوير، لا كمسار نهائي مغلق.

إن نجاح هذه الخطوة لا يُقاس بحدودها الحالية، بل بقدرتها على التطور. ويقتضي ذلك العمل على إدراج الجرائم الدولية ضمن التشريع الوطني، والنص على عدم خضوعها للتقادم، وصياغة قرارات الاتهام بطريقة تعكس الطبيعة الجسيمة والمنهجية للأفعال، بما يتيح مواءمتها لاحقًا مع المعايير الدولية. كما يتطلب تعزيز فعالية مذكرات التوقيف الدولية، ومراجعة بعض الجوانب العقابية التي قد تعيق التعاون القضائي الدولي.

في المحصلة، هذه المحاكمة ليست شكلية، بل تمثل خطوة حقيقية نحو العدالة، لكنها خطوة أولى تحتاج إلى تصويب واستكمال. قيمتها تكمن في أنها تفتح مسارًا قانونيًا يمكن البناء عليه، بشرط ألا يتم تثبيته بشكل يقيّد تطوره، بل أن يُستثمر كقاعدة لانطلاق مسار عدالة انتقالية أكثر شمولًا وفعالية في المستقبل

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى