ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

تجاوزات مجلس قيادة الثورة تشعل الصدام التاريخي بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر

كشفت مذكرات اللواء محمد نجيب عن كواليس صادمة وتفاصيل مثيرة تتعلق ببدايات حقبة الخمسينيات، حيث بدأت بوادر الانشقاق داخل صفوف الضباط الأحرار تظهر بوضوح نتيجة خلافات أخلاقية ومالية عميقة، واندلع الصدام الأول حينما عرض جمال عبد الناصر تخصيص مبالغ مالية ضخمة من أموال الشعب لصالح أعضاء مجلس قيادة الثورة تحت ذريعة تأمين المستقبل، وهو ما واجهه نجيب بغضب عارم رافضاً استباحة المال العام ومحذراً من الانزلاق في فخ الفساد الذي قامت التحركات العسكرية لتصحيحه.

يؤكد التقرير التاريخي أن اللواء محمد نجيب صدم حينما وجد بعض الضباط يستبدلون مساكنهم المتواضعة بقصور الأمراء في حي جاردن سيتي، ولم تتوقف التجاوزات عند هذا الحد بل امتدت لتشمل سهر داخل تلك القصور والاستيلاء على مقتنيات فضية منقوش عليها شعار الأسرة العلوية، مما دفع نجيب إلى الامتناع عن تناول الطعام في مجلس القيادة حتى تعاد تلك الممتلكات لأماكنها الأصلية، معتبراً أن ما يحدث هو استبدال ملك بـ 13 ملكاً جديداً يمارسون ذات السلوكيات السلطوية.

أصدر محمد نجيب بصفته رئيساً قراراً حاسماً بتحريم لعب الميسر في المنشآت العامة والخاصة، وذلك بعد رصده خسارة أحد الضباط لمبالغ طائلة على طاولات القمار، وتفاقمت الأزمة حين اكتشف إنفاق مبالغ مالية باهظة لتصميم تماثيل شخصية لبعض الضباط في وقت تعاني فيه الميزانية العامة، وهو ما عزز قناعة نجيب بأن المسار انحرف عن أهدافه الشعبية، مما أدى في النهاية إلى التآمر عليه وعزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية لسنوات طويلة.

دفع الرئيس المنسي ثمناً باهظاً لتمسكه بالمبادئ الأخلاقية والمهنية، حيث تعرض لعزلة تامة في فيلا زينب الوكيل بالمرج لأكثر من 28 عاماً، وحُرم خلالها من أبسط حقوقه الإنسانية ومنعت أخباره من النشر في الصحافة المحلية، وظل التاريخ يذكر كلماته القاسية التي لخصت ندمه على توفير الغطاء الشرعي لتحركات 23 يوليو، بعدما أيقن أن السلطة بدأت تأكل أبناءها وأن الطموحات الشخصية لزملائه طغت على مصلحة الوطن العليا.

انتهت رحلة اللواء محمد نجيب بوفاته عام 1984، تاركاً وراءه شهادة تاريخية مريرة عن صراع المبادئ في مواجهة بريق السلطة، ورغم محاولات محو اسمه من المناهج التعليمية لعقود، إلا أن الحقائق التي سردها في مذكراته ظلت شاهدة على فترة حرجة، حيث استبدل الحكم الملكي بنظام سلطوي جديد، وهو ما اعتبره نجيب ضياعاً للفرصة التاريخية التي كانت كفيلة ببناء دولة ديمقراطية حقيقية بعيداً عن أطماع الضباط الصغار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى