شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة السياسة ليست إدارة واقع… بل صناعة مستقبل (1)

تتعثر الدول حين تكتفي بإدارة ما هو قائم، وتفقد قدرتها على تخيّل ما ينبغي أن يكون. السياسة، في جوهرها، ليست استجابةً للوقائع بقدر ما هي إعادة صياغة لها. وعندما تنكمش إلى مجرد ردّ فعل، تتحول الدولة — بهدوء — من فاعل يصوغ مستقبله إلى كيان يلاحق أزماته، ومن صاحب قرار إلى متلقٍ لنتائج لم يصنعها.

يُظهر الواقع المصري خلال السنوات الأخيرة مفارقة لا تخطئها العين: توسّع في المشروعات يقابله شعور عام بأن العائد أقل من التوقع. أرقام الموازنة تكشف ضغطًا متزايدًا من خدمة الدين، ونسب تضخم أكلت جانبًا من القوة الشرائية، وتقلبات في سعر الصرف انعكست مباشرة على حياة الناس. في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال عن حجم ما أُنجز، بل عن اتجاه ما أُنجز، وهل يقود فعلًا إلى المستقبل الذي نريده.

يتجلى الخلل حين تُدار الملفات بمنطق التسكين المؤقت، لا العلاج الجذري. تُؤجَّل القرارات الصعبة، وتُرحَّل الكلفة، حتى تصبح الأزمات أكثر تعقيدًا. تجارب دولٍ عديدة أثبتت أن المواجهة المبكرة — رغم كلفتها — أقل ثمنًا من انتظار اللحظة التي لا تحتمل التأجيل.

الاقتصاد في مصر يعكس هذه الحالة بوضوح. قطاع خاص يتردد في التوسع، ليس لنقص الفرص، بل لضبابية القواعد أحيانًا، وتداخل الأدوار أحيانًا أخرى. وحين يتراجع هذا القطاع، تفقد الدولة أحد أهم محركات النمو، وتتحمل وحدها عبئًا كان يمكن أن يُوزَّع على طاقات المجتمع.

الاستقرار لا يُصنع بإغلاق النوافذ، بل بتنظيم الهواء الذي يدخل منها. المجتمع الذي يجد مساحة للتعبير، يكون أكثر قدرة على التماسك، وأقل قابلية للانفجار. الثقة هنا ليست شعارًا، بل شرطًا أساسيًا لأي سياسة تريد أن تنجح.

العدالة بدورها ليست ملفًا منفصلًا، بل هي أساس المعادلة كلها. حين يشعر المواطن أن القواعد تطبق على الجميع، يتقبل التحديات. وحين يدرك المستثمر أن المنافسة عادلة، يغامر ويستثمر. أما إذا اختل الميزان، فإن أول ما يتراجع هو الاستعداد للمشاركة، ويبدأ الانسحاب الصامت من الحياة العامة.

تجارب دول مثل إندونيسيا والبرازيل تُظهر أن الإصلاح التدريجي، إذا اقترن بوضوح الرؤية وصدق الرسالة، يمكن أن يحقق نتائج مستقرة دون أن يهز المجتمع بعنف. لم تكن هذه الدول أقل أزمات، لكنها كانت أكثر قدرة على إدارة هذه الأزمات بعقل بارد وخطة واضحة.

تحتاج مصر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث يصبح الإنسان محور القرار لا نتيجته. التعليم، والصحة، وفرص العمل، ليست ملفات خدمية، بل هي البنية الحقيقية لأي دولة تريد أن تستمر. وكل تأخير في الاستثمار فيها، هو تأجيل لمستقبل كان يمكن أن يكون أفضل.

لا يحتاج الإصلاح إلى قفزات مفاجئة بقدر ما يحتاج إلى وضوح في الاتجاه. أن تعرف الدولة إلى أين تذهب، وأن تقول ذلك بصدق، وأن تلتزم به بثبات. الغموض يربك، والتردد يكلّف، أما الوضوح فيمنح الثقة حتى في أصعب اللحظات.

تبدأ الخطوات الممكنة من قرارات محددة:

إعادة تعريف دور الدولة لتكون منظمًا عادلًا لا منافسًا متسعًا.

تبسيط الإجراءات وربطها بزمن محدد يرفع كفاءة الأداء.

توجيه الإنفاق نحو بناء الإنسان باعتباره الاستثمار الأكثر استدامة.

تعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة.

فتح المجال العام بشكل منضبط يعيد التوازن بين الدولة والمجتمع.

ليست هذه وصفة مثالية، لكنها بداية طريق. طريقٌ لا يعد بالمعجزات، لكنه يفتح بابًا كان مغلقًا طويلًا.

وهنا تعود الفكرة إلى عنوانها: مصر الممكنة ليست شعارًا، بل خيارًا. خيار يتطلب شجاعة الاعتراف، وإرادة البدء، وقدرة الاستمرار.

مصر الممكنة هي تلك التي ترى واقعها كما هو، لا كما تتمنى، ثم تملك الجرأة على تغييره. وفي المسافة بين ما نحن عليه وما يمكن أن نكونه… تبدأ السياسة الحقيقية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى