زعيم الأمة ومؤسس الدولة المصرية الحديثة.. سعد باشا زغلول في ذكرى نضاله

تحل ذكرى واحد من أعظم من أنجبتهم الأرض المصرية، الرجل الذي لم يكن مجرد سياسي، بل كان صوتاً لشعب بأكمله وقائداً لثورة غيرت وجه التاريخ، وهو الزعيم سعد زغلول (1858 – 1927). لُقب بـ “زعيم الأمة” و “أبو الدستور”، لكونه الرجل الذي استطاع تحويل الغضب الشعبي إلى حركة وطنية منظمة أدت في النهاية إلى انتزاع استقلال مصر وبدء عهد الحكم الدستوري.
من أروقة الأزهر إلى منصة القضاء والوزارة
وُلد سعد زغلول في قرية إبيانة بمحافظة كفر الشيخ عام 1858، ونشأ في كنف أسرة ريفية مصرية أصيلة. بدأ حياته العلمية في الأزهر الشريف، حيث تتلمذ على يد أقطاب التنوير جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، مما صقل عقله بروح التمرد على الجمود والظلم. تدرج في المناصب بذكاء واقتدار؛ فبدأ محامياً بارعاً، ثم قاضياً، حتى وصل إلى سدة الوزارة كوزير للمعارف عام 1906، ثم وزيراً للحقانية عام 1910، ليكون من القلائل الذين جمعوا بين الخبرة القانونية والإدارية والوعي السياسي العميق.

ثورة 1919: حين زأر الشعب خلف “الوفد”
تعد ثورة 1919 هي المحطة الأبرز في تاريخ سعد زغلول وفي تاريخ مصر الحديث. فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تشكل “الوفد المصري” للمطالبة بحق مصر في الاستقلال وعرض القضية في مؤتمر الصلح بباريس. وعندما حاول الاحتلال البريطاني وأد الحركة بنفيه إلى مالطا في مارس 1919، انفجرت مصر عن بكرة أبيها في ثورة شعبية شاملة شارك فيها العمال والفلاحون والطلبة، وخرجت فيها المرأة المصرية لأول مرة، وتوحد فيها الهلال مع الصليب، مما أجبر بريطانيا على الإفراج عنه والاعتراف بمصر كدولة مستقلة (شكلياً) عبر تصريح 28 فبراير 1922.
“بيت الأمة” وميلاد الدستور
لم يكن نضال سعد زغلول عسكرياً بل كان دستورياً وقانونياً بالأساس؛ فقد أشرف على وضع دستور 1923، الذي يُعد أول دستور حديث يؤصل لمبدأ “الأمة مصدر السلطات”. وفي عام 1924، أصبح أول رئيس وزراء مصري في ظل حكم دستوري بعد فوز حزب الوفد بأغلبية كاسحة. تحول بيته في حي المنيرة بالقاهرة إلى “بيت الأمة”، وهو المكان الذي كان يغلي بالنقاشات الوطنية والقرارات المصيرية، والآن يقف كمتحف يروي قصة كفاح شعب.
إرث الزعيم.. الحق فوق القوة
رحل سعد باشا زغلول في 23 أغسطس 1927، وشيعته مصر في جنازة تاريخية مهيبة لم تشهدها البلاد من قبل. ترك خلفه مبادئ لا تزال حية، لعل أشهرها شعاره “الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة”.
ورغم مرارة كلماته الأخيرة “مفيش فايدة” التي تعكس حجم التحديات والخلافات آنذاك، إلا أن “الفائدة” الحقيقية كانت في غرس روح الكرامة والاستقلال في نفوس المصريين، وهي الروح التي لا تزال تنبض في ميدانه بالإسكندرية وضريحه بالقاهرة.
رحم الله سعد زغلول، الفلاح الذي صار زعيماً، والقاضي الذي حكم بالعدل في قضية وطن.








