ذاكرة التاريخ

الأمير يوسف كمال.. “برنس” الفنون وراعي النوابغ في تاريخ مصر

تحية طيبة لهذا السرد الوافي عن واحدة من أكثر الشخصيات ثراءً وتأثيراً في الوجدان الثقافي المصري، الأمير يوسف كمال (1882 – 1967). يمثل هذا الأمير “الرحالة” نموذجاً فريداً لأمراء الأسرة العلوية الذين لم يكتفوا بالوجاهة الاجتماعية، بل سخروا ثرواتهم الأسطورية لبناء مؤسسات تنويرية لا تزال شامخة حتى يومنا هذا، وعلى رأسها مدرسة الفنون الجميلة التي كانت بمثابة “المعمل” الذي تخرج فيه عباقرة الفن التشكيلي المصري.

مؤسس “الجميلة” وراعي الموهبة المجانية

في عام 1908، سطر الأمير يوسف كمال صفحة بيضاء في تاريخ التعليم المصري حين أسس مدرسة الفنون الجميلة من ماله الخاص. ولم تكن مجرد مدرسة، بل كانت ملاذاً للمبدعين؛ إذ جعل الدراسة فيها مجانية بالكامل، بل وكان يوفر الأدوات والخامات للطلاب دون مقابل. وبفضل هذه الرؤية الثاقبة، ظهر للنور عبقري النحت محمود مختار، الذي كان من أوائل الملتحقين بها، ليرسم الأمير بذلك خارطة طريق الفن المصري الحديث الذي يجمع بين الأصالة والعالمية.

رئيس الجامعة الذي أنفق من جيبه على “النوابغ”

تولى الأمير يوسف كمال رئاسة الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) في مرحلة حرجة تزامنت مع ظروف الحرب العالمية الأولى. ولم يكتفِ بالإدارة الإدارية، بل كان “أباً روحياً” للطلاب، حيث كان يرسل النوابغ منهم لاستكمال دراستهم في أوروبا على نفقته الخاصة. وحينما عصفت الأزمات المالية بميزانية الجامعة، بادر بالتبرع بمبالغ ضخمة لضمان استمرار هذا الصرح العلمي، مؤكداً أن العلم بالنسبة له كان قضية وطن لا مجرد منصب.

الرحالة “الجسور” وعاشق المقتنيات الإسلامية

اشتهر الأمير يوسف كمال بلقب “صياد الوحوش”؛ إذ كان يهوى المغامرة في أدغال أفريقيا وغابات الهند، لكنه كان يعود من رحلاته ليس فقط برؤوس الحيوانات المحنطة التي أهداها للمتاحف (مثل المتحف الزراعي)، بل وبثقافة جغرافية واسعة تجسدت في أطلسه الشهير “أطلس أفريقيا وجغرافيا مصر العليا”. كما يُعد من أكبر الواهبين للمتحف الإسلامي، حيث أهداه مجموعات نادرة من الثريات والمصاحف والدروع، وحرص على توثيقها وصفياً وتاريخياً بدقة الباحث الأكاديمي.

الثروة في خدمة القرى والفقراء

رغم أن ثروته قُدرت في ثلاثينيات القرن الماضي بملايين الجنيهات (وهو رقم فلكي بمقاييس ذلك العصر)، إلا أن قلبه كان معلقاً بفقراء الصعيد. فأنفق بسخاء على تنمية قرى كاملة في صعيد مصر، وخاصة في منطقة “نجع حمادي” حيث يقع قصره التاريخي الشهير. لقد كان يرى في ثروته وسيلة للتغيير الاجتماعي لا للتكديس، فكان “أغنى أغنياء مصر” في المال، وفي العطاء أيضاً.

الرحيل الهادئ والعودة إلى تراب الوطن

بعد تحولات عام 1952، غادر الأمير مصر ليعيش سنواته الأخيرة في أوروبا، حتى وفاته في النمسا عام 1967 (وتشير بعض المصادر إلى عام 1969). ورغم حياة القصور والسفر عبر القارات، أوصى بأن يُدفن في تراب مصر، ليرقد في قبر بسيط بمدافن الإمام الشافعي، تاركاً خلفه لوحات محمود مختار، ومنارات جامعة القاهرة، وأروقة كلية الفنون الجميلة شواهد حية على أمير عاش للفن والجمال والإنسان.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى