مقالات وآراء

وليد عبد الحي يكتب: الذكاء الاصطناعي وعدم الاستقرار المجتمعي


كنت وما زلت من المعتقدين بأن التطور التكنولوجي يقف وراء تغير مموه في كل البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والعسكرية ، كما ان تسارع التطور التكنولوجي يفرض قسرا على المجتمعات التغير المتلاحق وهو ما يفرز بدوره اشكالية القدرة على التكيف التي إذا اتسعت هوتها وقعت البنية في الاضطراب، وبخاصة ان التغير التكنولوجي له طابع آسي( ( exponential) تقريبا مما يجعل بعض الانساق بخاصة الاجتماعية عاجزة عن التكيف الموازي .
من مظاهر التطور التقني المعاصرة اكتساح الذكاء الاصطناعي مجال الاعلام والتأثير على الراي العام من خلال :
1- القدرة على انتاج او تعديل وثائق رسمية تحمل توقيعات الشخصيات المعنية بمضمون الوثيقة ،وعليها الاختام الرسمية او شعارات المؤسسات ذات الصلة وبشكل يصعب للغاية اكتشاف “التزوير ” بصريا، وقد يكون ذلك التزوير على شكل:

  • شهادات او وثائق
  • مواقع الكترونية
  • صور شخصية او صور جماعية متحركة
  • اصوات اشخاص
    2- بناء تقارير مزيفة ولكن لا يستطيع الفرد العادي اكتشاف هل هي حقيقية ام مزورة، وقد تكون على شكل:
    -خطاب لزعيم او فيديوهات صوتية(Deep fakes)
    -اوامر عسكرية تذهب لوحدات عسكرية فعلية ولكن عبر خرق للاتصالات داخل هذه الوحدات
    -نشر تقارير استخبارية يصعب تصديقها او نفيها.
    -افلام حول موضوع معين او شخص معين
    3- تحطيم رموز او نخب اجتماعية من خلال اعداد شريط بالصوت والصورة المتقنة تماما ،ولكنها تتضمن وقائع فاضحة لتلك الشخصية ،كأن يتم عرض بريده الالكتروني المزور او رسائل الواتساب او غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي او تركيب فيديوهات جنسية فاضحة او تركيب مجلس جماعي ويتحدث فيه لمشبوهين او تركيب اتصالات هاتفية بينه وبين الآخرين ، وقد يحتاج الامر الى زمن طويل للتحقق من صحة او عدم صحة هذه المواد الاعلامية ، وقد يتم ذلك للابتزاز او تشويه الصورة او للتركيز على موضوع معين تهتم به اطراف سياسية او امنية او غيرها.
    اشكالية الرأي العام:
    من اخطر مظاهر التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هو سرعة الانتشار، فما ان يجد المتصفح اي مادة مثيرة حتى يسارع لنقلها ، وهنا يتواتر الانتشار الأسي ثانية وبسرعة ، فمع انتشار ادوات الاتصال الحديثة(الموبايل) والانترنت وتوابعها ،لم يعد الخبر او الصورة او التقرير ينتظر طويلا ليصل للجمهور، فالامر لا يتجاوز عددا من الثواني ، لذلك تؤدي سرعة انتشار آثار “الواقعة المزورة بالذكاء الاصطناعي ” الى تحقيق الصدمة قبل ان يجري اي تحقيق، بخاصة إذا اختلط الذكاء الاصطناعي بالغباء الاجتماعي من خلال الاستقطاب في المجتمع(لاسباب دينية او جهوية او لغوية او حزبية…الخ).
    كما يقود ضعف المؤسسات الرسمية في بعض الدول او نقص الثقة في تلك المؤسسات الى سيطرة الاعلام البديل(اعلام الذكاء الاصطناعي) على الساحة، والى ان يتم الكشف-إذا تم- عن حقيقة ما تم عرضه ،يكون العرض قد فعل فعله، بل قد تتعجل دوائر اتخاذ القرار لاجراءات معينة قبل التحقق التام، وهو ما يزيد الامور تعقيدا، ويكفي ان نتخيل(أقول نتخيل) :
    أ‌- ان تصل رسائل مستعجلة لمن له الكود النووي في دولة نووية للقيام بهجوم
    ب‌- ان تصل رسائل دبلوماسية مزيفة
    ت‌- ابداعات تقنية للتدخل غير الملاحظ في الانتخابات
    ث‌- افتعال مشاكل بين دول
    ما سبق يحتاج لمواجهة مثل “التحقق الرقمي الجنائي او منصات لكشف التزييف او غير ذلك” ،وهو امر بحاجة لامكانيات مادية ومعنوية ،وهو ما يعيدنا لاشكالية القدرة على التكيف.
    ان خطورة الذكاء الاصطناعي تتزايد كلما كان التزييف أجود ،وكلما توافرت آليات انتشاره ، وكلما وقع بين جمهور “غير مسلح عقليا لمحاكمة ما يرى او يسمع او يشاهد”.
    بناء على ما سبق ، كل منا هو عرضة لان يكون مادة اعلامية “مزورة بالصوت والصورة “…وما زال في جعبة الذكاء الاصطناعي الكثير الكثير ، فقد يكون أي منا ضحية لهذا..ربما.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى