
من دمشق إلى طهران: سقوط العمود الأول
“نظام الأسد ونظام الخميني ليسا سوى عمودين لمشروع تخريبي واحد؛ وسقوط أحدهما يعني حتمًا سقوط الآخر. وبعد الأسد سينحسر المشروع الإيراني تدريجيًا في المنطقة حتى حدود إيران، التي ستشهد عملية تغيير قاسية.”
بهذه العبارة المكثفة لخّص عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري الأسبق، رؤيته لطبيعة العلاقة العضوية بين دمشق وطهران. قالها لي قبل رحيله في منفاه الباريسي، في حديث اتسم بقدر لافت من المكاشفة، دون أن يبلغ حد القطيعة الكاملة مع ماضيه. خدام، الذي رفض الاعتذار الصريح من الشعب السوري رغم إلحاحي، أقرّ في حوار أجريته معه نشرته صحيفة المصري اليوم عام 2010: “نعم، أنا جزء من النظام… ومستعد للمحاكمة”، وهو اعتراف كاشف لثقل الإرث الذي حمله معه حتى النهاية.
اليوم، وبعد سنوات على تلك الشهادة، تبدو كلمات خدام أقرب إلى نبوءة سياسية آخذة في التحقق.
فسقوط نظام الأسد لم يكن مجرد حدث محلي، بل زلزالًا استراتيجيًا أصاب بنية النفوذ الإيراني في المنطقة برمتها. لم تكن طهران تدافع عن حليف تقليدي فحسب، بل عن ما كانت تسميه “الحلقة الذهبية” في منظومة مشروع نفوذ يمتد من طهران مرورًا ببغداد ودمشق وبيروت إلى المتوسط، جبهتها المتقدمة وخط الدفاع الأول عن إيران قبالة أوروبا.
المشهد الذي انتشر مؤخرًا للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو ينظر من نافذة سيارته بعينين دامعتين، لم يكن مجرد لحظة إنسانية عابرة، بل بدا تعبيرًا رمزيًا عن مأزق أعمق.
وقد أعادني هذا المشهد إلى صورة أخرى لا تقل دلالة: عبد الحليم خدام، قبل وفاته بنحو ثلاث سنوات، واقفًا بصمت أمام نافذة منزله، بصوت مثقل بالحسرة، يقول: “لو كنت أعلم ما سيفعله الأسد بسوريا، لما شاركت في نظامه”. بين الصورتين، مسافة زمنية، لكنها تختصر مسارًا كاملاً من الرحلة بين إغراء السلطة وأتون الندم.
المرشد الغائب المنتظر
إيران اليوم ليست فقط أمام تحديات خارجية كبرى، بل أمام استحقاق داخلي خطير مؤجل.
إعلان مجلس الخبراء انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى، بإملاء واضح من الحرس الثوري، فتح الباب أمام مرحلة جديدة، لكنها محاطة بغموض لافت. فالرجل لم يظهر حتى الآن في خطاب مباشر أو تسجيل مصور، ما غذّى سيلًا من التكهنات، من الحديث عن إصابة خطيرة إلى روايات تتحدث عن مصرعه. وفي أنظمة تقوم على الرمزية والهيبة، لا يكون الغياب مجرد تفصيل، بل عاملًا مقلقًا بحد ذاته.
هذا الغموض يعيد إلى الذاكرة نماذج تاريخية استخدمت “الغياب” كأداة سياسية.
كما في تجربة المهدي بن تومرت في المغرب، الذي توفي سنة 1130 ميلادية وتم إخفاء نبأ وفاته نحو سنتين، حيث تحوّل الغموض إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة وترسيخها. غير أن الفارق اليوم يكمن في أن زمن السيطرة على الرواية لم يعد كما كان، في ظل فضاء إعلامي مفتوح يعج بالتسريبات والتأويلات، لا سيما مع تسريب صور مقتل الخامنئي الأب وقادة الصف الأول منذ الساعات الأولى للحرب، ما ساهم في هز وإرباك النظام والشارع الإيراني.
ومن اللافت أن تاريخ يوم الثامن من آذار يتكرر كمحطة مفصلية في مسار سوريا والمنطقة.
ففي 1920، أُعلن استقلال سوريا عن الدولة العثمانية، وفي 1963 وقع الانقلاب الذي دشّن حقبة الحكم البعثي. أما اليوم، فيبدو أن التاريخ نفسه يواكب تحولات من نوع آخر في ذات التاريخ الذي تم اختيار الخامنئي الابن فيه كمرشد أعلى، قد لا تكون أقل عمقًا أو تأثيرًا.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن أمام بداية نهاية مشروع إقليمي، أم مجرد إعادة تموضع له؟
الإجابة ليست بسيطة. فإيران لا تزال تمتلك أدوات قوة وشبكة نفوذ معقدة، لكن المؤكد أن كلفة الحفاظ على هذا النفوذ ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، وأن البيئة الإقليمية لم تعد مواتية كما كانت.
ما بين اعترافات متأخرة لرجال من داخل الأنظمة، ومشاهد صامتة لقادة يواجهون لحظات الانكسار، تتكشف حقيقة واحدة: المشاريع التي تُبنى على القمع والتوسع القسري قد تصمد طويلًا، لكنها نادرًا ما تنجو من لحظة الحساب.
وربما كان عبد الحليم خدام، في جملته العابرة، أكثر دقة مما بدا في حينه: حين يسقط العمود الأول، يبدأ البناء كله في التصدع قبل السقوط الحتمي.
من بن تومرت إلى الخميني
رغم التباعد الزمني والجغرافي بين إيران وجبال الأطلس في المغرب، تبرز بعض القواسم المشتركة في التجارب السياسية ذات المرجعية الدينية.
ففي العصور الوسطى، ظهر المهدي بن تومرت، وأعلن انتسابه إلى آل البيت بوصفه من سلالة الحسين بن علي، حفيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وطرح نفسه بوصفه المهدي المنتظر الذي تشير إليه بعض الأحاديث النبوية. واستطاع استقطاب فئات واسعة من الساخطين على الدولة المرابطية، مؤسسًا حركة دينية رفعت شعار “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، قبل أن تتطور إلى مشروع سياسي وعسكري أفضى إلى قيام الدولة الموحدية، التي أصبحت من أبرز القوى التي حكمت المغرب والأندلس وامتد نفوذها إلى الجزائر وتونس وليبيا. وكان مفهوم الإمامة، بوصفه أصلًا من أصول الدين، أحد أعمدة دعوته، مقرونًا بفكرة الإمام المعصوم.
ومن زاوية مقارنة، يمكن رصد بعض أوجه التشابه مع التجربة الإيرانية الحديثة، خاصة في بعدها السياسي الديني.
فالثورة التي قادها الخميني عام 1979 أسست لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، مستندة إلى تصورات فكرية تأثرت جزئيًا بأدبيات الحاكمية في الإسلام كما طرحها سيد قطب، وفي سياق علاقة تاريخية بين الخميني وجماعة الإخوان المسلمين. وقد تبنّى النظام الإيراني منذ بداياته فكرة “تصدير الثورة”، المرتبطة بمفهوم الإمامة، دون أن يدّعي الخميني صراحة صفة “المهدي المنتظر”، التي تحتفظ بها العقيدة الشيعية الاثنا عشرية للإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن.
الإمامة وسلطة الدين والسياسة
في سياق التحولات الراهنة، تثار تساؤلات حول مستقبل نظام “ولاية الفقيه”، في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه إيران.
علمًا أن المذهب الاثني عشري هو المذهب الرسمي للدولة منذ أوائل القرن السادس عشر، حين أقره الشاه إسماعيل الأول، في سياق تمييز الدولة الصفوية عن محيطها العثماني السني.
وتبرز في النقاشات مسألة الخلافة داخل هرم السلطة، لا سيما فيما يتعلق بدور نجل علي خامنئي.
وسط جدل فقهي وسياسي حول مدى استيفاء نجل الخامنئي الشروط اللازمة لتولي منصب الولي الفقيه، وهو منصب يجمع بين سلطات دينية وسياسية واسعة، تشمل قرارات الحرب والسلم، وتحديد السياسات العامة، والإشراف على الموارد المالية الدينية كالزكاة والخُمس.
وفي الأدبيات الشيعية الاثني عشرية، يُنظر إلى الولي الفقيه بوصفه نائبًا عن الإمام الغائب، وممثلًا للسلطة الدينية والسياسية في آن.
بما يضفي على موقعه طابعًا مركبًا بين الديني والسياسي. غير أن هذا التصور لم يكن محل إجماع تاريخي، بل شهد تطورات وتباينات بين النظرية والتطبيق.
ويقول محمد باقر الصدر في كتابه “خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء” إن النبي والإمام معيَّنان من الله تعيينًا شخصيًا، أما المرجع فهو معيَّن تعيينًا نوعيًا.
ومن هنا كانت المرجعية كخط قرارًا إلهيًا، أما تجسيدها فيكون بفرد تعيّنه الأمة، ويرتبط الفرد بالنبي ارتباطًا دينيًا، وبالإمام ارتباطًا إيمانيًا، وبالمرجع ارتباط التقليد، بما يجعله مقلدًا له في استنباط الأحكام، وهو ما يفتح الباب أمام مقاربات مختلفة لفهم السلطة الدينية.
أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فيقول في كتابه “حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل” إن “ولاية الفقيه تمثل امتدادًا لولاية النبي والأئمة”.
ويضيف “وطن الولي الفقيه لا علاقة له بسلطته، كما لا ترتبط جنسية المرجع بمرجعيته، إذ قد يكون عراقيًا أو إيرانيًا أو لبنانيًا أو غير ذلك، دون أن يؤثر ذلك في مواصفاته”.
وفي سياق أوسع، ينقل ابن حزم الأندلسي، كما أورده الشهرستاني في كتاب “الملل والنحل”، أن “الخلاف حول الإمامة كان من أعظم أسباب النزاع في التاريخ الإسلامي، مشيرًا إلى أن السيف لم يُسلّ على قضية دينية كما سُلّ عليها”.







