الدكتور أيمن نور يكتب: ماذا يعني التراجع السريع.. عن قرار يُطفئ الأنوار؟

مشهد “الغلق المبكر” في مصر: كان قرارا يطفئ الأنوار في الشوارع، لكنه أطفأ مساحات أوسع في دورة الحياة اليومية، حيث يعمل الناس، ويتنفس السوق، وتدور عجلة الرزق.
فكرة ترشيد الطاقة، في أصلها، لا خلاف عليها. كل دولة تُحسن إدارة مواردها، خصوصًا في أوقات الأزمات. لكن الفارق الجوهري بين دولة تُخطط، وأخرى تُجرّب، يكمن في سؤال بسيط: هل حُسبت الكلفة الكاملة قبل اتخاذ القرار؟ أم اكتُفي بحساب فاتورة الكهرباء، وتجاهل فاتورة المجتمع؟
الأرقام لا تكذب، لكنها تُضلل أحيانًا إذا قُرئت بعيون ضيقة. ارتفاع فاتورة الطاقة إلى نحو 2.5 مليار دولار شهريًا بعد أن كانت 1.2 مليار دولار قد يُبرر البحث عن حلول عاجلة. لكن القرار اختار الطريق الأسهل إداريًا، لا الأذكى اقتصاديًا. فبدل إدارة الاستهلاك، جرى تقليص النشاط.
قطاع التجارة الداخلية في مصر ليس تفصيلًا هامشيًا يمكن الضغط عليه بلا تكلفة. بيانات التشغيل تشير إلى أن هذا القطاع يستوعب ما يقارب 5.4 مليون عامل، أي نحو 16.7% من قوة العمل. أي قرار يمس ساعات عمله، هو قرار يمس شريحة واسعة من المجتمع، لا مجرد أصحاب محال.
مساء المدن المصرية ليس وقتًا ثانويًا في الاقتصاد، بل هو ذروة النشاط. المقاهي، المطاعم، المتاجر الصغيرة، خدمات التوصيل، الباعة، العمالة اليومية… كلها تبدأ في تحقيق دخلها الحقيقي بعد غروب الشمس. إغلاق هذه الساعات لا يعني تقليل استهلاك الكهرباء فقط، بل تقليل الدخل، وتآكل الطلب، وانكماش السوق.
القرارات الاقتصادية لا تُقاس بنتائجها المباشرة فقط، بل بآثارها الجانبية. هنا يظهر الخلل:
قرارٌ يوفر في بند الطاقة، لكنه يضغط على التشغيل.
قرارٌ يُقلل الإضاءة، لكنه يُعتم حركة السوق.
قرارٌ يُهدئ فاتورة الدولة، لكنه يُربك حسابات المواطن.
التجارب الدولية التي تحترم اقتصادها لا تُصدر قرارات بهذا الاتساع دون ما يُعرف بـ “تقييم الأثر”. كم سنوفر؟ كم سنخسر؟ من سيتضرر؟ كيف نعوضه؟ كيف نُدرج استثناءات؟ كيف نُوزع العبء بعدالة؟ هذه الأسئلة ليست رفاهية، بل جوهر الحكم الرشيد.
التراجع عن القرار يكشف أكثر مما يخفي. لم يكن مجرد تعديل إداري، بل اعتراف ضمني بأن الحسابات لم تكن مكتملة. التراجع السريع ليس دائمًا علامة مرونة، بل قد يكون دليلًا على غياب الرؤية من البداية.
الأزمة أعمق من قرار الغلق ذاته. المسألة تتعلق بطريقة إدارة الاقتصاد في مصر: قرارات تُصاغ في غرف مغلقة، تُطبق على واقع مفتوح، ثم تُراجع بعد أن يدفع السوق ثمن التجربة. هذه ليست إدارة، بل سلسلة من ردود الأفعال.
البدائل كانت متاحة، لكنها لم تُطرح بجدية. ترشيد الإعلانات الضوئية، تحسين كفاءة الإنارة العامة، تحفيز الطاقة الشمسية للأنشطة التجارية، تسعير ذكي للاستهلاك المرتفع، توزيع الأحمال زمنيًا، أو حتى تطبيق مرن يراعي طبيعة كل منطقة. الاقتصاد لا يُدار بمفتاح واحد يُغلق كل الأبواب.
الثقة في السوق لا تُبنى بالقرارات، بل بالاستقرار. المستثمر، والتاجر، وصاحب المشروع الصغير، لا يخاف من الأزمة بقدر ما يخاف من عدم القدرة على التنبؤ. حين تتغير القواعد فجأة، يتراجع الاستثمار، وينكمش النشاط، ويصبح الحذر هو سيد الموقف.
المجتمع يدفع دائمًا الكلفة غير المرئية. عامل يفقد ورديته، شاب تتقلص فرصه، أسرة ينخفض دخلها، نشاط يُغلق أبوابه مبكرًا، حركة تُختصر، حياة تُقيد. هذه ليست تفاصيل، بل هي الاقتصاد الحقيقي الذي لا يظهر في تقارير الطاقة.
إلغاء القرار خطوة صحيحة، لكنها لا تكفي. الأهم أن تتغير فلسفة القرار ذاته. الاقتصاد لا يُدار بإطفاء الأنوار، بل بإضاءة مسارات التفكير. ولا يُبنى بالقرارات المفاجئة، بل بالسياسات المدروسة.
مصر لا تحتاج فقط إلى إعادة فتح المحال، بل إلى إعادة فتح العقول على فكرة بسيطة:
أن كل قرار اقتصادي هو قرار اجتماعي، وأن كل رقم في دفتر الحكومة يقابله إنسان في الشارع.
هكذا تُقاس الدول: ليس بما توفره من كهرباء، بل بما تحافظ عليه من حياة.







