
في الخطاب العام المعاصر لم تعد “الحرية” مجرد قيمة سامية بل أصبحت—في بعض الأحيان—شعارًا فضفاضًا يُستخدم لتبرير ما لا يُبرر.
وأنا أُقرّ ابتداءً بتقديري الشديد لكل من يدافع عن فكرة الحرية المطلقة بوصفها أفقًا إنسانيًا يسعى إلى تحرير الفرد من كل قيدٍ مفروض عليه فهذا الطرح في جذوره يعكس توقًا مشروعًا للكرامة والاستقلال.
لكن الإشكالية لا تكمن في النوايا بل في النتائج… لأن نقل هذا المفهوم من حيز التنظير إلى واقعٍ اجتماعي مركب دون ضوابط يفتح الباب أمام انحراف بالغ الخطورة.
فالحرية -في بنيتها الفلسفية والقانونية- ليست حالة “انفلات” بل هي علاقة منظمة بين الحق والواجب بين الاختيار والمسؤولية بين الفرد والمجتمع.
وأي محاولة لفصل هذه العناصر عن بعضها تُنتج بالضرورة تشوهًا في المفهوم وتحوّله من قيمة حامية للإنسان إلى أداةٍ قد تُستخدم للإضرار به، فالجريمة ليست حرية.
هذا ليس مجرد حكم قانوني بل قاعدة منطقية، لأن الجريمة – بطبيعتها – تقوم على الاعتداء: على النفس أو المال أو العرض أو النظام العام.
فإذا جاز توصيفها بأنها – حرية – فإننا نُفرغ فكرة الحق من مضمونها ونُساوي بين الفعل المشروع والفعل العدواني وهو ما يهدم أساس أي مجتمع منظم.
والإيذاء النفسي ليس حرية.
فثمة تحول خطير في الخطاب المعاصر حيث يُعاد توصيف العنف اللفظي والمعنوي باعتباره “صراحة” أو “جرأة”، لكن التحليل الدقيق يكشف أن الإيذاء النفسي—سواء عبر السخرية أو التشويه أو التحريض—يمارس أثرًا تراكميًا لا يقل خطورة عن الإيذاء المادي. والأخطر أنه يُمارس غالبًا دون وعي بمسؤوليته وتحت غطاء “حرية الرأي”.
التنمر ليس حرية، فالتنمر ليس مجرد سلوك فردي بل ظاهرة اجتماعية تعكس اختلالًا في ميزان القوة، حين يُستخدم الصوت الأعلى أو المنصة الأوسع لإخضاع الآخر أو تحقيره فإننا لا نكون أمام حرية تعبير بل أمام ممارسة للهيمنة، والحرية في جوهرها نقيض الهيمنة لا أداتها.
كذلك السب والقذف ليس حرية، والقانون في كل النظم الحديثة لم يضع قيودًا على التعبير عبثًا بل لحماية ما يُعرف بـ“الحقوق اللصيقة بالشخصية” وعلى رأسها السمعة والاعتبار.
وحين يتم انتهاك هذه الحقوق فإننا لا نكون أمام “تجاوز بسيط” بل أمام مساس مباشر بكرامة الإنسان وهي القيمة التي قامت عليها فكرة الحرية ذاتها.
إن الخطر الحقيقي في تبني مفهوم “الحرية المطلقة” دون قيد أنه يُسقط عنصر المسؤولية من المعادلة.
فيتحول الحق إلى امتياز بلا ضابط وتتحول الكلمة إلى أداة قد تُصيب بلا رقيب ويصبح المجال العام ساحة صراع لا تحكمه قواعد بل توازنات قوة.
وهنا تحديدًا، تتجلى الحاجة إلى معيارٍ ضابط لا يختل ولا يتغير بتغير الأهواء ولا يُعاد تفسيره وفق المصلحة، “اعدلوا هو أقرب للتقوى”.
فالعدل ليس مجرد قيمة أخلاقية بل هو الإطار الذي تُمارس داخله الحرية بشكلها الصحيح، هو الذي يضمن ألا تتحول حرية البعض إلى قيدٍ على الآخرين وألا يصبح التعبير وسيلة انتقاص أو النقد أداة هدم.
إن الدفاع عن الحرية لا يكون بإطلاقها بلا حدود بل بحمايتها من أن تُستخدم في غير موضعها، فالحرية التي لا يحكمها عدل لا تبقى حرية، بل تنقلب إلى فوضى مدمرة يدفع ثمنها الجميع.
هذه نصيحتي..







