
في معركة الوعي التي تخوضها الأمة المصرية اليوم، ثمة سؤال يفرض نفسه بقوة: من نُقدّس؟ ومن نُعلّي؟
هل نصنع الأبطال ممن يضحون بأرواحهم ودمائهم من أجل هذا الوطن، أم نركض خلف من يقدّمون لشبابنا سموم المخدرات وقبح البلطجة تحت مسمّى “الفن”؟
البطل الذي أجهضته المنظومة
في صعيد مصر البسيط، وتحديداً في محافظة سوهاج، عاش رجل لم يطلب نوطاً ولا تمثالاً ولا تكريماً.
إنه المجند البطل عبد الرؤوف جمعة عمران، فراش المدرسة الذي كان يمسك المكنسة صباحاً، بينما كان يحمل ليلاً تاريخاً من البطولة لا تملك أمم بأكملها مثله.
هل تتخيل أن هذا الرجل البسيط هو نفسه المقاتل الذي حير جنرالات الصهاينه؟
في فجر السادس من أكتوبر 1973، نزل عبد الرؤوف مع كتيبة صاعقة في مهمة وصفت بـ”بلا عودة” إلى مطار أبو رديس في عمق سيناء.
لم تكن العملية نزهة، بل كانت جحيماً راح فيه رفاقه، ولم يبق سوى هو وأربعة فقط من أصل كتيبة كاملة.
أُصيب البطل برصاص رشاش متعدد في ظهره وفخذه ومثانته.
إصابات لا يتحملها بشر وتستدعي عناية مركزة فورية لكنه رفض الاستسلام.
ظل صامداً في قلب الصحراء مائتي يوم كاملة، يراقب، يستطلع، والدم ينزف منه، والشمس تحرق جلده، والجوع ينهش أمعاءه.
أكل الأفاعي والحشائش ليبقى حياً ويكمل مهمته.
البدوي الذي كان يمده بالطعام قال عن للمخابرات كلمة خلدها التاريخ: “يا فندم، العسكري ده عايش حلاوة روح.
إللي زيه المفروض نكون صلينا عليه صلاة الغائب من زمان”.
عاد البطل سيراً على الأقدام في أبريل 1974، بملابس ممزقة وجسد أنهكته الجراح، ليقف أمامه المشير أحمد إسماعيل ويؤدي له “التحية العسكرية” تقديراً لبطولة أعجزت الأكاديميات العسكرية عن تفسيرها.
لكن الغريب والموجع أن هذا البطل لم يطلب شيئاً.
عاد لبلدته في سوهاج، وعمل “فراشاً” في مدرسة، يخدم الطلاب بابتسامة، وهو يحمل في جسده رصاصات الصهاينة وتاريخاً لو وُزع على أمة لكفاها فخراً.
كان يقول دائماً: “عملت كده عشان ديني ووطني، ومش مستني تكريم من حد”.
رحل البطل عبد الرؤوف جمعة عمران في صمت، بينما صنع غيره مجده من أضواء الكاميرات وترندات السوشيال ميديا.
على الجانب الآخر.. من يقدّم المخدرات كبطولة؟
في زمن يبحث فيه الشباب عن قدوة، وفي مجتمع يئن من وطأة العنف وتفشي المخدرات، يخرج علينا فنان بحجم جماهيري هائل ليقدم للشباب نموذجاً للبلطجي المحبوب وتاجر المخدرات البطل.
إنه محمد رمضان، الظاهرة السلبية التي قسمت الرأي العام.
لم تكن إثارة الجدل حول المخدرات في أعمال محمد رمضان وليدة اليوم:
في مسلسل “موسى” ظهر موافقاً على السفر إلى غزة لمساعدة تجار في تهريب المخدرات، وهو ما اعتبره متابعون تشويهاً لصورة المقاومة الفلسطينية.
في “نسر الصعيد” تعرض لاتهامات بتناول الحشيش في مشاهد تحرض الشباب على التعامل مع هذه الآفة.
في “الأسطورة” اتُهم بتقديم أغنية تتغنى بالمخدرات.
لكن القضية الأكبر تكمن في تحويل البلطجة إلى بطولة.
ففي معظم أعماله، يظهر رمضان كشخصية “فتوة” تحل مشاكلها بالقوة والسلاح، ويتم تقديم البلطجي كبطل شعبي محبوب ينتصر في النهاية.
هذا المقتطف من دعوى قضائية رفعها محامٍ ضده يؤكد خطورة الأمر: “ظهرت فئة من الممثلين على رأسهم محمد رمضان تؤدي أدواراً تحرض فيها على البلطجة والعنف وتشيع مفاهيم الانحراف في فكر وثقافة الشباب، وهو ما ظهر واضحاً في تقليد بعض الشباب للمثل المذكور في طريقة أعمال العنف وحمل السلاح”.
مقارنة لا تقبل الجدل
بين هذا وذاك، نقف متسائلين: من نصنع؟ ومن ننسى؟
البطل الحقيقي عبد الرؤوف قضى 200 يوم خلف العدو، يأكل الحشائش ويشرب من دم جروحه، عاد ليمسح الأرض بيديه.. لم يجد من يقدم عنه فيلماً ولا مسلسلاً تكريماً له.
وآخر يظهر بمشاهد ترويج المخدرات والبلطجة، ويتقاضى ملايين الجنيهات، وتُقام له الحفلات، ويتخذ قدوة وشعاراً للشباب الغاضب الباحث عن “البطولة” الزائفة.
يا شعب مصر، هذه هي النماذج التي تستحق أن تُنحت في الذاكرة.
لا تتركوا سيرة أبطالنا الحقيقيين تموت، فالبطل لا يموت إلا حين ينساه شعبه.
ومن واجب الفنان المصري، الذي يحمل على عاتقه رسالة وطنية وأخلاقية، ألا يركب موجة البلطجة والعنف رغبة في الترند والمشاهدات، بل أن يحاكي بطولات حقيقية لغرس قيم الفداء والتضحية.
رحم الله البطل عبد الرؤوف جمعة عمران، وجزاه خيراً عن وطنه. أما الآخرون، فالتاريخ والمجتمع سيفصل بين من بنى ومن هدم.
البطولة ليست مشاهد تمثيلية وعضلات مفتولة..
البطولة هي الدم المسفوح على الرمال، والجسد المثقوب بالرصاص وهو يعود ليكنس فصلاً دراسياً دون أن يتلفت.







