
ممكن ان تتقدّم مصر ،حين ترى اقتصادها كلَّه، لا بعضه. حين تُحصي ما يُنتج في العلن، وما يُدار في الخفاء، فتضع لهما “معًا” قواعد عادلة، ومسارات واضحة، ورؤية تُحوّل “العشوائي” إلى منظم، و”الهامشي” إلى مُنتِج، والضعيف إلى شريك في النمو.
في حدود ما لدي من معلومات: يُشكّل “الاقتصاد غير الرسمي” في مصر كتلة لا يمكن تجاهلها، لا من حيث الحجم ولا من حيث الأثر؛ فتقديرات متعددة تضعه بين 30% و50% من الناتج المحلي، مع اختلاف المنهجيات، وتباين أدوات القياس، لكنه يظل في كل الأحوال اقتصادًا موازيًا لا يمكن اختزاله في وصف عابر أو حل إداري بسيط.
تكشف الحقائق، أن هذا الاقتصاد لا يعيش في الهامش، بل في قلب النشاط اليومي فملايين من المصريين ،يعملون دون عقود، ودون تأمين، ودون حماية قانونية، داخل منظومة تُنتج دخلًا لهم لكنها لا تُنتج استقرارًا، وتُحرّك السوق لكنها لا تُقوّي الاقتصاد الرسمي للدولة.
عرفتُ هذه الظاهرة مبكرًا، منذ تسعينيات القرن الماضي، لا كرقم في تقرير اقتصادي، بل كمشهد حيّ في بعض ديرتي الانتخابية شوارع العتبه،و #الموسكي؛ باعة جائلون، وورش صغيرة تحت بير السلم ، وأرزاق يومية، وأفواج قادمة من قري الصعيد، تبحث عن مكان في اقتصاد المدينة، بينما كانت الدولة تراها عبئًا على الرصيف ،لا طاقة كامنة في الوطن.
طرحتُ لسنوات، تحت قبة البرلمان، أسئلة وتحذيرات عن خطورة ترك هذا الاقتصاد خارج الإطار الوطني، وعن ضرورة تقنين أوضاع العمالة غير المنظمه، وتنظيم أماكن عملها، وفتح مسارات آمنة لدمجها بدل تركها لمعارك يومية مع فساد المرافق والشرطة والاحياء.
تعرفت في العقد الاخير ، علي تجربة المدن التركية، التي تجسد معنى مختلف للإدارة المحلية في تركيا وأوروبا هناك أسواق شعبية منظمة، أماكن مخصصة لصغار التجار، مستويات متعددة من التنظيم، وبلديات منتخبه ،تدرك أن البائع الصغير ليس خصمًا للدولة، بل مواطن يبحث عن رزق يمكن إدخاله في منظومة القانون بدل من مطاردته في الشوارع.
بينما الاقتصاد غير الرسمي في مصر ليس فقط باعه جائلين، بل يشمل مشروعات متناهية الصغر، تجارة غير منظمة، ورش حرفية في المنازل، خدمات منخفضة القيمة المضافة، اقتصاد منزلي واسع، وسلاسل توريد غير مرئية، ومؤخرا ظهرت موجة أحدث من العمل الرقمي عبر منصات لا تمنح عقدًا ولا تأمينًا ولا حماية، ولا تعرف الدولة عنها شيئا .
تتجسد المفارقة في أن هذا الاقتصاد يخلق فرصًا للعمل، لكنه يكرّس هشاشة العمل، فالعامل فيه بلا شبكة أمان، بلا ضمان اجتماعي، بلا تأمين صحي، وبلا قدرة حقيقية على الادخار أو التخطيط، كأنه يعيش يومه دون أن يملك غده.
يحرم هذا الانفصال الاقتصاد الرسمي من طاقات هائلة ،آلاف المشروعات لا تستطيع الوصول إلى التمويل، الذي يحتكره امثال #الخشن و#هشام_طلعت ولا يملك هولاء المهمشين ،الدخول إلى الأسواق التصديرية، ولا الاستفادة من برامج الدعم، لأنهم خارج النظام، أو يخشونه، أو لا يثقوا فيه.
في مصر للاسف،تتعدد أسباب تضخم الاقتصاد غير الرسمي ، لكنها غالبًا بسبب بيئة طاردة: إجراءات ترخيص معقدة، تكلفة تسجيل مرتفعة، عبء ضريبي غير متوازن، ضعف في جودة الخدمات العامة، غياب للحماية الاجتماعية، تراجع في الثقة بين المواطن والدولة.
توضح المقارنات الدولية أن الاقتصاد غير الرسمي ليس ظاهرة مصرية خالصة؛ فهو في الدول النامية قد يتراوح بين 30% و70% من الاقتصاد، بينما ينخفض غالبًا في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أقل من 20%، والفارق لا تصنعه العصا وحدها، بل تصنعه الثقة، والبساطة، وجودة الخدمات، وعدالة القواعد.
تكشف إشكالية القياس نفسها عن عمق الأزمة؛ فلا يوجد رقم واحد نهائي للاقتصاد غير الرسمي، لأن بعض الدراسات تعتمد على قياس: مدخل الطلب على النقود، وبعضها يستخدم نماذج مركبة مثل MIMIC، التي تقرأ الضرائب والتضخم والتنظيم والدخل، ولهذا تتفاوت التقديرات بين نسب تبدو متباعدة، بينما الحقيقة الثابتة أن الظاهرة كبيرة ومؤثرة وممتدة.
يُخطئ من يظن أن الحل في المواجهة الأمنية أو الملاحقة الإدارية فقط؛ فالقمع لا يصنع تنظيمًا، والخوف لا يبني ثقة، والعقوبات وحدها لا تُحوّل الظل إلى نور. كل حملة إزالة بلا بديل منظم هي تأجيل للمشكلة لا علاج لها.
تعلّمت دول مثل الصين و الهند أن الدمج يبدأ من الشمول المالي والرقمنة، عبر الهوية الرقمية والدفع الإلكتروني وإدخال ملايين المواطنين في النظام المالي، رغم التحديات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت هذا التحول.
أدركت البرازيل مثلا، أن تبسيط النظام الضريبي هو المفتاح، فأنشأت أنظمة مخففة للمشروعات الصغيرة، شجعت على التسجيل، وقلّلت من الحافز للهروب من المنظومة، وأثبتت أن الدولة الذكية لا تبدأ بالسؤال: كيف أعاقب؟ بل تسأل أولًا: كيف أجعل الالتزام ممكنًا؟
تؤكد التجارب المقارنة أن الدمج الناجح لا يكتفي بتشريع جديد، بل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن؛ دولة لا تظهر فقط عند التحصيل والمخالفة، بل تظهر أيضًا عند الحماية والتمويل والتدريب وفتح الأسواق.
تحتاج مصر إلى هذا التحول الفكري قبل أي تحول إجرائي؛ لا يمكن دمج اقتصاد لا يثق في الدولة، ولا يمكن إصلاح علاقة قائمة على الشك المتبادل، ولا يمكن بناء منظومة عادلة دون أن يشعر الجميع بأن القواعد تطبق على الجميع.
تفرض «مصر الممكنة» إعادة تعريف الاقتصاد الرسمي، لا بوصفه التزامًا قانونيًا فقط، بل بوصفه مساحة أمان؛ يحصل فيها العامل على حقه، ويحصل فيها المستثمر الصغير على استقرار، وتحصل فيها الدولة على موارد عادلة دون أن تكسر ظهر المواطن.
يبدأ المسار الإصلاحي من تبسيط إجراءات الترخيص جذريًا؛ نافذة واحدة، زمن محدد، تكلفة معقولة، وإجراءات رقمية تقلل الاحتكاك البيروقراطي، لأن التعقيد هو الحافز الأول للهروب من الرسمية.
يتطلب الدمج الحقيقي تقديم حوافز انتقال، لا فرض التزامات مفاجئة؛ إعفاءات ضريبية مؤقتة، نظم محاسبية مبسطة، دعم فني وتدريبي، وتسهيلات تمويلية، بحيث يصبح الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي فرصة لا كمينًا.
تُعد الرقمنة ركيزة أساسية لهذا التحول؛ الدفع الإلكتروني، الفواتير الرقمية، قواعد البيانات المترابطة، كلها أدوات تقلل الاقتصاد النقدي غير المرئي، وتسهّل على الدولة والمواطن التعامل في إطار شفاف ومنخفض التكلفة.
تعيد هذه السياسات توزيع العدالة الاقتصادية؛ تتسع القاعدة الضريبية، يتراجع العبء عن الملتزمين، تتحسن المنافسة، فلا يُعاقب من يعمل في النور، ولا يُكافأ من يتهرب من القواعد.
تتجاوز القضية حدود الاقتصاد إلى السياسة والقانون؛ دولة لا ترى نصف اقتصادها لا تستطيع أن تخطط، ولا تستطيع أن تحاسب، ولا تستطيع أن تحقق عدالة حقيقية، لأن العدالة تبدأ من المعرفة، والمعرفة تبدأ من الرؤية.
تصبح موازنة الدولة نفسها أكثر صدقًا حين يندمج هذا الاقتصاد؛ ترتفع الإيرادات دون زيادة الضرائب على الفئات نفسها، تتحسن جودة البيانات، تتراجع العشوائية في التقدير، ويصبح التخطيط أقرب إلى الواقع.
تحتاج « مصر الممكنة» إلى مشروع وطني شامل لدمج الاقتصاد غير الرسمي، تشارك فيه الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام، عبر خطاب جديد يطمئن لا يخيف، يقنع لا يجبر، ويقول للناس إن الدخول إلى الدولة ليس خسارة، بل بداية حماية ونمو واعتراف.
تتبلور الحقيقة في نهاية هذا المسار: الاقتصاد غير الرسمي في مصر ليس هامشًا، بل اقتصاد موازٍ؛ يمثل جزءًا كبيرًا من الناتج، ونصف المجتمع الاقتصادي تقريبًا، والمشكلة ليست في وجوده، بل في انفصاله عن الدولة، وضعف إنتاجيته، وغياب العدالة داخله وخارجه.
مصر الممكنة، ليست تلك التي تطارد اقتصادها في الظل، بل التي تخرجه إلى الدولة؛ تنظمه، تطوره، وتحوله إلى قوة إنتاجية حقيقية، فتستعيد الثقة، وتفتح باب القانون، وتصبح قادرة على أن ترى، وأن تخطط، وأن تنصف.





