ثقافة وفنونحدث في مثل هذا اليوم

نور الشريف في ذكرى ميلاده.. “فيلسوف التشخيص” الذي قرأ وجه مصر

تحل اليوم، الثامن والعشرون من أبريل، ذكرى ميلاد أحد أساطير الفن العربي، الفنان القدير نور الشريف (1946 – 2015)، الذي لم يكن مجرد ممثل، بل كان مثقفاً سينمائياً ومفكراً امتلك أدواته الفنية بوعي شديد، فاستحق لقب “فيلسوف التشخيص”. وُلد محمد جابر محمد عبد الله (الذي عرفناه باسم نور الشريف) في حي السيدة زينب بالقاهرة، ليبدأ رحلة فنية استثنائية جعلت منه “حدوتة مصرية” خالصة، ومؤرخاً سينمائياً لتحولات المجتمع المصري عبر أكثر من نصف قرن.

البداية من عباءة نجيب محفوظ: كمال عبد الجواد

كانت البداية الحقيقية التي لفتت الأنظار لموهبته الفذة هي شخصية كمال عبد الجواد في فيلم “قصر الشوق” عام 1967. استطاع الشاب الصغير آنذاك أن يجسد حيرة جيل كامل بين التقاليد والحداثة، وهو الدور الذي مهد الطريق لارتباط اسمه بأدب نجيب محفوظ في أعمال لاحقة. ومن “كمال” الشاب المثالي، انطلق نور الشريف ليغزو الشاشة بأكثر من 170 فيلماً، تنوعت بين الرومانسية الرقيقة كما في “حبيبي دائماً”، والواقعية الخشنة كما في روائع عاطف الطيب.

عاطف الطيب وشاهين: السينما كقضية

شكل نور الشريف مع المخرج عاطف الطيب ثنائياً غير وجه السينما المصرية نحو “الواقعية الجديدة”. ففي “سواق الأتوبيس”، جسّد صرخة “يا أسطى حسن” التي لخصت ضياع القيم في زمن الانفتاح، وفي “ليلة ساخنة” غاص في كواليس المهمشين. أما مع يوسف شاهين، فقدم “حدوتة مصرية” التي عبرت عن الذات، وفيلم “المصير” الذي جسد فيه شخصية ابن رشد، مدافعاً عن حرية الفكر في وجه التطرف. ولم يخشَ نور المغامرة السياسية، فقدم “ناجي العلي”، الفيلم الذي دفع ثمنه من هجوم وضغوط، لكنه ظل يفخر به كوثيقة نضال وطني.

سلطان الدراما الرمضانية

لم يكن نور الشريف غائباً عن البيوت المصرية، بل صار “سلطان الدراما” بامتياز. استطاع أن يجمع بين النقيضين؛ ففي عام يقدم الزهد والعدل المطلق في “عمر بن عبد العزيز” و”هارون الرشيد”، وفي عام آخر يقدم ببراعة شخصية الرجل المزواج خفيف الظل في “عائلة الحاج متولي”، أو كفاح العصامي الصبور في “لن أعيش في جلباب أبي” بشخصية “عبد الغفور البرعي” التي تحولت لأيقونة شعبية عابرة للأجيال.

وصية “خامس الخلفاء الراشدين”

كان نور الشريف يعتبر مسلسل “عمر بن عبد العزيز” هو العمل الأهم في تاريخه الفني والروحي. وقد بلغت درجة توحده مع الشخصية حداً مذهلاً، لدرجة أنه أوصى بإذاعة مشهد “الاحتضار” الأخير من هذا المسلسل يوم وفاته، لما وجده في نفسه من صدق وتأثر شديد أثناء تصويره، وكأنه كان يتدرب على لقاء ربه بروح الصوفي الزاهد.

رحيل “المثقف الشريف”

توفى نور الشريف في 11 أغسطس 2015 بعد صراع مع سرطان الرئة، رحل تاركاً خلفه سيرة عطرة وقصة حب أسطورية مع الفنانة بوسي، وابنتين (سارة ومي) أكملتا مسيرة الوفاء له. لم يترك نور الشريف وراءه مجرد أفلام، بل ترك مدرسة في الالتزام، وعشقاً للثقافة، وإيماناً بأن الفنان هو مرآة المجتمع وعقله الواعي.

رحم الله نور الشريف، الذي ظل طوال حياته يبحث عن “سيد مرزوق” في داخلنا، ويخبرنا بصدق أن “المصير” دائماً في يد من يملكون العلم والحرية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى