المغربحقوق وحرياتملفات وتقارير

إصلاح جذري للمحاماة بالمغرب يفرض الشفافية ويشدد الرقابة ويواجه الفوضى المهنية

تتبنى وزارة العدل في المملكة المغربية حزمة إصلاحات جذرية عبر مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لقطاع المحاماة، في خطوة وصفت بأنها محاولة جادة لتنقية البيت الداخلي من الشوائب. يهدف هذا التحرك التشريعي إلى إرساء قواعد صارمة تنهي حقبة الفوضى والتدبير المالي الغامض الذي استغله بعض الدخلاء لتحويل المهنة إلى ساحة للمتاجرة بحقوق المتقاضين. يسعى المشروع الجديد لتكريس الشفافية عبر فرض عقود نموذجية موحدة تضبط العلاقة المالية وتمنع التلاعب بالودائع والأتعاب، وهي الثغرة التي طالما نفذ منها السماسرة لنهب مصالح المواطنين بعيداً عن رقابة الأجهزة المحاسبية المختصة.

تحديث شروط الولوج وضمانات الكفاءة العلمية

تتضمن التعديلات المرتقبة رفع سقف المؤهلات العلمية المطلوبة للالتحاق بالمهنة، حيث يشترط القانون نيل شهادة الماجستير في الحقوق بدلاً من الإجازة مع تحديد سن الأربعين كحد أقصى للمرشحين. يعكس هذا التوجه رغبة الأجهزة التشريعية في مواجهة تدني المستويات التعليمية وضمان جودة التكوين القانوني لمن يتصدى للدفاع عن الحريات. يفرض المقترح أيضاً قضاء سنة كاملة في التكوين النظري بمعهد متخصص، يتبعها تمرين عملي لعامين تحت إشراف الهيئات المهنية، لينتهي المسار باختبارات قاسية لنيل شهادة الكفاءة المهنية.

صراع الاستقلالية ومواجهة التجاوزات المهنية الخطيرة

تتصاعد حدة الجدل حول منح وزارة العدل صلاحيات تأديبية وإدارية واسعة كانت في السابق حكراً على المجالس المهنية والنقباء، وسط اتهامات بتقليص استقلالية الهيئات. يرى مراقبون أن عجز المجالس الحالية عن التصدي للمخالفات الجسيمة التي تمس سمعة القضاء دفع باتجاه تشديد الرقابة الحكومية. رصدت التقارير حالات بلطجة مهنية تتمثل في سطو محامين على ملفات زملائهم دون إذن، وتشكيل شبكات سمسرة منظمة لجلب الزبائن، ما أدى إلى أضرار بالغة للمتقاضين وللمحامين النزلاء الذين يرفضون الانخراط في صفقات مشبوهة.

فتح الأبواب أمام المنافسة الدولية والمحامين الأجانب

يسمح القانون الجديد للمحامين الأجانب، وخاصة من الجمهورية الفرنسية، بفتح مكاتب لممارسة النشاط داخل التراب الوطني، وهو ما أثار حفيظة تيارات مهنية تخشى من غياب العدالة في المنافسة. يربط محللون هذا الرفض بضعف التكوين الثقافي واللغوي لدى شريحة من الممارسين المحليين الذين يخشون مواجهة خبرات عالمية تمتلك أدوات متطورة. يأتي هذا في سياق رغبة الوزارة الوصية في تحديث المنظومة القانونية وربطها بالمعايير الدولية لضمان تقديم خدمات استشارية تليق بمستوى التحديات الاقتصادية والسياسية الراهنة.

تأسيس المجلس الوطني وتكريس الرقابة المالية الصارمة

يمثل إحداث المجلس الوطني لهيئات المحامين بمدينة الرباط تحولاً جوهرياً يحاكي النماذج المتقدمة في تدبير الشؤون المهنية، خاصة في الجانب المالي الذي ظل لسنوات بعيداً عن تفتيش المجلس الأعلى للحسابات. يهدف هذا الكيان الجديد إلى وضع حد لسرقات الملفات الإدارية والتعويضات المالية التي تورط فيها بعض الممارسين، مثل واقعة الاستيلاء على تعويضات ورثة بإقليم وجدة من قبل محامية في العاصمة. تسببت تلك الفضيحة في ضياع مبالغ ضخمة على أصحاب الحقوق، ما يبرهن على ضرورة وجود سلطة مركزية تراقب الذمم المالية للهيئات.

إصلاح القضاء كركيزة أساسية لاستعادة ثقة المواطنين

يظل تحصين المؤسسة القضائية من الرشوة والمحسوبية المطلب الشعبي الأول لضمان بقاء العدالة ملاذاً للجميع دون تمييز بين القوي والضعيف. يتطلب الواقع الحالي وضع آليات مراقبة صارمة على سلوك القضاة والمحامين معاً، ورفع الحصانة عن كل من يثبت تورطه في التلاعب بمصائر الناس. إن تحول المحاماة من رسالة نضالية وإنسانية إلى تجارة تباع فيها الأحكام بالرشوة يهدد كيان المجتمع ويؤدي إلى انهيار الثقة في المؤسسات السياسية والحكومية، مما يجعل من إقرار هذا القانون ضرورة حتمية لتصحيح المسار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى