
يسألني بعض الأصدقاء: كيف لهذا الوضع السوريالي أن يستمر، وكيف لهذه الخيبة والعبث أن يتواصلا!!؟
أقول بصراحة، إنني منذ الفاتح من 25، والذي اعتقد أنه كان محصّلة “الشطط في استعمال الحرّية” أو “سوء ممارسة النخب للحرّية” طيلة “العشرية”، لم ألمس أي تغيير حقيقي في عقلية النخب ، ناهيك عن سلوكها، رغم تداعي الأحداث الكارثية وتواترها، فخارطة “العقائد السياسية” ما تزال على حالها،
بل ازدادت جزرها الرئيسية المعروفة انغلاقا وتقوقعاً على نفسها، كلّ يحمل “حقيقته الوطنية المطلقة” ولا يبدي أي استعداد تقريبا للتنازل ولو قليلا على إطلاقيتها، وعلى الرغم من أنهم ينتقدون “الحاكم بأمر الله” على تخوينه الجميع وإخراجهم من “الملّة الوطنية” التي قام ذات فجر بتأميمها لنفسه حصراً، انطلاقا من أنه “الطاهر الوحيد” الذي يقاوم “الوحوش”المفسدين في الأرض، فإنّهم عمليا لم يغادروا مربّعاتهم المرسومة في أذهانهم بخطّ النّار، إلّا من رحم ربي، فاليساري ما يزال يقول في الأغلب
“أنّ الإسلاميّ في باطنه لا يمكن أن يكون وطنيا ولا ديمقراطيا”أبدا، وقمعه وإقصاؤه وإفناؤه حتى ضرورة تاريخية، والإسلاميّ في جزء لا بأس به من جمهوره ونخبه يرى أنّ تجربة “التوافق”كانت كارثية وأنها سمحت للثورة المضادة بالانقلاب على تجربة الانتقال، رغم أن الانقلاب جاء مسنودا بشعارات ثورية في مقدّمتها مكافحة الفساد ومنها أيضا أنّ تجربة التوافق بين الإسلاميين والدساترة كانت خيانة للثورة، وكأن الانتقال الديمقراطي هو محصّلة ثورة شمولية كالثورة البولشيفية في روسيا أو الثورة الإسلامية في ايران، وليس الانتقال الديمقراطي هو مصالحة الجديد مع القديم على قاعدة الاعتراف المتبادل والتعاون على بناء المشترك التعددي الديمقراطي..
ومفاد القول أن المزايدات على الوطنية والطهورية ورفع بعضهم أولويات نسبية إلى درجة القداسة، لم تتغيّر رغم دخولنا في ولاية ثانية لهذا الزمن السعيد جدّاً، وفي تقديري لو كتب لهذا الزمن نهاية مفاجئة (لسبب خارج عن المنطق) ستعود ذات النخب إلى ذات السلوكيات التي ذكرنا، كلّا يرى “الوطن” من زاويته ويؤمن بأن ذاك هو الوطن كلّه وليس بعضه..
قصّة العميان والفيل (أبو زلّوم) تصلح في هذا المقام للعبرة..سُئل حكيم عن الحقيقة، فقال: تخيّلوا أنّ مجموعة من العميان التقوا فيلا في غابة، وطلب من كلّ واحد منهم لاحقا أن يصفه، فقال أحدهم ممن لامس الخرطوم أنه اسطوانة طويلة، وقال الثاني ممن لامس الأذن أنه بساط مطّاط، وقال ثالث كان حظّه أن لامس الذيل أنه خيزرانة..
وخلاصة القول أن جماعة منّا يقولون أن الوطن قد بناه الدساترة وغيرهم خرّبوه، فيما تقول جماعة أخرى أن عقود ما قبل الثورة كانت فقط فسادا واستبدادا وأن من قادوها لا يمكن أن يؤتى منهم خير، وتقول جماعة ثالثة أن الرجعية من دساترة وخوانجية أعداء للحداثة ومعوّق لأي تقدّم حقيقي، وهكذا يعلي كل واحد حقيقته الذاتية ويغلق دونها الدائرة، فيما يفترض بأن الوطن يجب أن يسع أبناءه جميعا على اختلاف حقائقهم، وأن الديمقراطية هي “توافقهم” على العيش المشترك والاحتكام لصندوق انتخابي شفاف يوزّع السلطة والثروة، فالتوافق ميزة حضارية يرتقى إليها، وليست خيارا لأن انعدام التوافق لا يترتّب عنه سوى تكرّر المآسي والمهازل كما نرى..
ما أخشاه، أن تنتهي هذه الخيبة للطف الله ببلادنا وليس بسبب سلوك أهلها، ولا تجد تونس عقلاء وحكماء يقودونها إلى الحد الأدنى من التوافق المطلوب لتأسيس عيش مشترك مثلما جرى سنة 2011، فقد تبارى التونسيون طيلة السنوات الماضية على تحطيم مرجعياتهم وشخصياتهم الاعتبارية والاغتيال المعنوي لأصوات الاعتدال والتعايش بينهم، حتى عاد المجال تنافسا بين خطابات شعبوية بائسة بل مقزّزة في أحيان كثيرة، كل يزايد على الآخر رافعا كلمات حقّ غالبا ما يراد بها باطل..وربّي يقّدر الخير ويدلنا للصواب ويحنّن التوانسة على بعضهم..خطابات الكراهية والعنف اللفظي لا يمكن أن تؤسّس لخير أبدا.. وإن شاء الله غدوة خير..والسلام







