
تبدأ الحكاية من سؤالٍ لا يقبل التأجيل: كيف يمكن لاقتصادٍ أن يدّعي العدالة، بينما جزء معتبر منه يعمل خارج قواعد الشفافية الكاملة؟ وكيف يُطلب من السوق أن يكون تنافسيًا، بينما تتجاور داخله كيانات تعمل بقواعد مختلفة، وبامتيازات غير معلنة؟ تلك ليست أسئلة نظرية، بل مفاتيح لفهم مأزق مركّب، يتقاطع فيه الاقتصاد بالقانون، وتتداخل فيه اعتبارات الأمن مع مقتضيات الكفاءة.
عرفتُ هذا الملف مبكرًا، منذ أكثر من عقدين، حين حضر في برنامجي الانتخابي عام 2005 بوصفه أحد أكثر ملفات الإصلاح حساسية وتعقيدًا. لم يكن الاقتراب منه سهلًا، لأنه يلامس شبكة متداخلة من المصالح والسلطات، لكنه ظل—في تقديري—شرطًا لازمًا لبناء اقتصادٍ عادل، لا يقوم على ما يُخفى، بل على ما يُدار بوضوح، ويُقاس بعدل، ويُحاسب بمعايير لا تستثني أحدًا.
تتبدّى الإشكالية في مصر عبر ما يُعرف بالاقتصاد العسكري والسيادي، وهو نمط من النشاط الاقتصادي المرتبط بمؤسسات الدولة ذات الطابع الخاص، توسّع حضوره عبر عقود، خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم تسارع بصورة لافتة بعد 2013، ليمتد إلى قطاعات واسعة تشمل البنية التحتية، والإنشاءات، والنقل، والطاقة، والسلع الغذائية، والخدمات المدنية.
تشير قراءات تحليلية رصينة، من بينها أعمال يزيد صايغ، إلى أن هذا التوسع لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل تطورًا تدريجيًا ارتبط بإعادة تعريف دور الدولة، وبمحاولات تعويض ضعف بعض مؤسساتها التنفيذية، وبسعيٍ لامتلاك أدوات تنفيذ سريعة في مواجهة أزمات متراكمة.
غير أن هذه الدراسات، رغم اختلافها في التفاصيل، تتفق على معضلة أساسية: غياب البيانات الدقيقة. فالتقديرات التي تضع حجم هذا الاقتصاد بين 5% و20% من الناتج المحلي الإجمالي ليست أرقامًا قطعية، بل نطاقات تحليلية، تعكس حجم الظاهرة بقدر ما تكشف صعوبة قياسها.
يُضاف إلى ذلك بُعد آخر أكثر تعقيدًا، يتمثل في الاقتصاد “الخفي” أو “غير المرصود” المرتبط جزئيًا بالأنشطة السيادية، والذي لا يدخل بالكامل في الحسابات القومية، ما يعني أن الحجم الحقيقي للتأثير قد يكون أكبر من الأرقام المتداولة، دون إمكانية حسم ذلك في غياب الإفصاح المؤسسي المنتظم.
تتجاوز المشكلة حدود الأرقام إلى جوهر الفلسفة الاقتصادية؛ فلا يمكن إدارة اقتصاد لا يُقاس بدقة، ولا يمكن تقييم كفاءة الإنفاق أو عدالة التوزيع دون معلومات موثوقة، ولا يمكن بناء ثقة مستدامة بين الدولة والمجتمع في ظل غموض هيكلي يُحيط بجزء معتبر من النشاط الاقتصادي.
تُظهر المقارنات الدولية أن وجود أنشطة اقتصادية ذات طابع سيادي ليس استثناءً، بل قاعدة في كثير من الدول، غير أن الفارق الحاسم يكمن في قواعد الإدارة. في الصين، تمثل الشركات المملوكة للدولة ركيزة أساسية، لكنها تخضع لإصلاحات مستمرة تُدخلها تدريجيًا في إطار الحوكمة والإفصاح، وتُلزمها بمعايير أداء واضحة.
وفي تركيا، شهدت الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية إعادة تنظيم قانوني وإداري، أُخضعت فيه لرقابة مالية أكثر صرامة، ودمجت في الاقتصاد الوطني ضمن قواعد تنافسية أكثر وضوحًا، دون أن تفقد دورها الاستراتيجي.
تعكس هذه التجارب قاعدة لا تقبل الجدل: ليست المشكلة في وجود اقتصاد سيادي، بل في غياب الحدود الفاصلة بين ما هو سيادي بحق، وما هو مدني بطبيعته. حين تتسع هذه الحدود دون ضوابط، يتحول الدور من ضرورة استراتيجية إلى منافس مباشر في السوق.
تتجلى هنا أزمة المنافسة، حيث تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن الجمع بين دور “المنفذ” و”المنظم” في الوقت ذاته يخلق خللًا هيكليًا. السوق يحتاج إلى حكمٍ محايد، لا إلى لاعب يمتلك أدوات تفوق غيره، سواء كانت تنظيمية، أو ضريبية، أو تمويلية.
تنعكس هذه الحالة على بنية السوق؛ يتردد المستثمر الخاص، تتقلص المبادرات الصغيرة، تتراجع روح الابتكار، وتُصاب بيئة الأعمال بحالة من الحذر الدائم. لا يعود السؤال: هل المشروع مجدٍ؟ بل يصبح: هل القواعد متكافئة؟
تُحسب لبعض الكيانات السيادية قدرتها على تنفيذ مشروعات كبرى بسرعة لافتة، خاصة في البنية الأساسية، وهو أمر لا يمكن إنكاره. غير أن معيار الحكم لا يقف عند سرعة التنفيذ، بل يمتد إلى كلفة الوحدة، وجودة المخرجات، واستدامة الأثر الاقتصادي.
تشير خبرات دولية إلى أن السرعة غير المصحوبة بحوكمة دقيقة قد تُخفي تكلفة مؤجلة، أو تُنتج تشوهات في توزيع الموارد، وهو ما يجعل من الشفافية شرطًا أساسيًا لضمان الكفاءة، لا رفاهية إدارية.
تتعمق الأزمة مع غياب مستويات كافية من الرقابة المؤسسية؛ إذ لا تخضع بعض الأنشطة السيادية لنفس معايير التدقيق والمساءلة التي تُطبّق على بقية القطاعات، ما يخلق فجوة في منظومة الحوكمة، ويُضعف الثقة في عدالة الإطار العام.
تُصبح الشفافية في هذا السياق ضرورة اقتصادية قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا. المستثمر—محليًا ودوليًا—يبحث عن قواعد واضحة، وبيانات متاحة، ونظام يمكن التنبؤ به. الغموض، مهما كانت دوافعه، يرفع تكلفة المخاطر، ويُقلّص شهية الاستثمار.
تتحدد ملامح الأزمة في أربعة محاور مترابطة: أولًا: غياب القياس الدقيق. ثانيًا: ضعف الشفافية. ثالثًا: اختلال المنافسة. رابعًا: تفاوت معايير الرقابة والحوكمة.
لا تطرح “مصر الممكنة” هذه القضية بوصفها صراعًا بين الدولة والسوق، بل بوصفها محاولة لإعادة التوازن. الدولة ليست خصمًا للاقتصاد، لكنها ليست بديلًا عنه. والاقتصاد لا يمكن أن ينمو في ظل قواعد مزدوجة.
يبدأ الإصلاح بتحديد واضح لنطاق السيادة؛ ما هو استراتيجي بحق، وما يمكن أن يخضع للمنافسة. ليس كل نشاط تمارسه الدولة ضرورة أمنية، كما أن فتح كل القطاعات دون ضوابط ليس خيارًا رشيدًا.
تتطلب المرحلة التالية بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة تُحصي الأنشطة الاقتصادية ذات الطابع السيادي، وتُحدد نطاقها ووزنها، دون المساس بالاعتبارات الأمنية. المعرفة هنا هي أساس القرار.
يتكامل ذلك مع اعتماد آليات إفصاح تدريجي، تُنشر من خلالها بيانات مجمعة عن الأداء المالي والتشغيلي، تسمح بالتقييم الموضوعي، وتُغلق الباب أمام الجدل القائم على التخمين.
تُستكمل المنظومة بإطار حوكمة حديث، يضمن إدارة هذه الكيانات وفق معايير مهنية، ويُخضعها لرقابة فعالة، دون أن يُعطّل دورها الاستراتيجي.
تُعاد صياغة قواعد المنافسة لضمان تكافؤ الفرص، بحيث يعمل الجميع وفق قواعد واحدة، ويصبح النجاح نتيجة للكفاءة، لا للامتياز.
تتطلب هذه المعالجة فصلًا واضحًا بين من يُنظّم ومن يُنفّذ؛ الدولة حكم يضع القواعد ويراقب تطبيقها، لا لاعبًا ينافس في كل ملعب.
تُعزّز آليات التعاقد القائم على الأداء هذا الاتجاه، حيث يُربط التمويل بالنتائج، لا بمجرد التنفيذ، وتُقاس المشروعات بمدى تحقيقها لأهدافها، لا بحجم ما أُنفق عليها.
تُسهم الرقمنة في تقليص مساحات الغموض؛ منصات موحدة للمشتريات، نظم إلكترونية للفوترة، قواعد بيانات متكاملة، ولوحات متابعة تُحدّث دوريًا، تجعل من الشفافية ممارسة يومية لا شعارًا نظريًا.
ينعكس هذا التحول على الموازنة العامة، فتصبح أكثر دقة، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأقل عرضة للتقديرات العشوائية. لا يُطلب المزيد من المواطن، بل يُحسن استخدام ما يُحصَّل منه.
لا يستهدف هذا المسار تقليص الدور السيادي، بل ترشيده؛ الحفاظ على ما يخدم الأمن القومي، وتحرير ما يمكن أن يخضع للمنافسة، وإخضاع الجميع لقواعد واحدة تُعزز الثقة.
قد يُساء فهم هذا الطرح بوصفه استجابة لضغوط خارجية، لكن حقيقته تنبع من رؤية وطنية خالصة، ترى أن الاقتصاد القوي لا يقوم على الاستثناءات، بل على القواعد، ولا على الغموض، بل على الوضوح.
تتبلور هذه الرؤية في خطوات عملية واضحة: ١- تحديد نطاق السيادة بدقة. ٢- إعلان قواعد العمل بشفافية. ٣- إخضاع الأداء للقياس. ٤- تفعيل الرقابة المؤسسية. ٥- استعادة الثقة في السوق. ٦- تحقيق التوازن بين الأمن والكفاءة دون التضحية بأي منهما.
تصل الفكرة إلى جوهرها: الاقتصاد العسكري والسيادي يمكن أن يكون قوة مضافة، إذا خضع لقواعد عادلة وشفافة، ويمكن أن يتحول إلى عبء ثقيل، إذا ظل في مناطق رمادية تُغتال فيها المنافسة، وتُقوّض فيها الثقة.
مصر الممكنة لا تُقصي هذا الاقتصاد، ولا تُخفيه، بل تُعيد تعريفه، وتُخرجه من الغموض إلى الوضوح، وتضعه داخل منظومة واحدة تُدار بقواعد محايدة، وتُقاس بنتائج حقيقية، وتُبنى على ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.
مصر الممكنة ليست شعارًا… بل مسار يبدأ بالشفافية، ويستقيم بالعدالة، ويكتمل حين يرى الاقتصاد نفسه كاملًا… ويُدار كاملًا







