مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: نيفين ملك..وجهٌ يعبر الحدود وصوتٌ لا يقبل الصمت


نيفين ملك اسمٌ يمرّ في سطرٍ خبري عابر، ثم يرفض أن يظلّ عابرًا… هكذا بدأتُ حكاية معرفتي بنيفين ملك، لا كخبرٍ عن محامية وناشطه سياسيه قبطيه، بل كقصة إنسانه اختارت أن تقف في وجه عالمٍ يزداد صمتًا ،كلما ارتفع صوت الحقيقة.


سنوات ما بعد الثورة لم تكن زمنًا عاديًا، بل اختبارًا قاسيًا للوجوه والضمائر… هناك، في قلب ذلك الاختبار، عرفت نفين عن قرب، فوجدت فيها صوتًا دايما للعقل حين يضجّ الضجيج، وملاذًا لفكره الضمير حين تتكاثر المساومات،والضمائر المغشوشة، وصورةً لاحترام النفس في زمنٍ يبيع فيه كثيرون مواقفهم بأبخس الأثمان.
نيفين ملك ليست مجرد اسمٍ في قائمة المدافعين عن الحرية و الصحافة، بل شاهدٌ حيّ على زمنٍ تُصبح فيه الكلمة جريمة، ويُصبح حاملها هدفًا… زمنٌ يُقاس فيه شرف المهنة بعدد ما تتحمّله من ضغوط، لا بعدد ما تحققه من أضواء.


ملامح تلك السيرة النقيه، لا تُقرأ في بطاقة تعريف، بل تُلتقط من بين وجوه الذين احتموا بالقانون حين ضاقت بهم السبل، ومن بين القضايا التي لم تجد من يتصدى لها إلا قلةٌ آمنت أن للحق ثمنًا… وأن هذا الثمن لا يُؤجَّل.
راقبت خطواتها في مصر ،وفي سنوات الغربه،خطواتها لم تكن يومًا طريقًا مفروشًا بالتصفيق، بل عبورًا دائمًا فوق خيطٍ رفيع من الوجع، بين العقول الجامدة ونزق البشر، بين ما يُفترض، وما يُمارس على الأرض.


المحاماة، في تجربتها، لم تكن مهنةً تُمارس، بل رسالة تُعاش… دفاعًا عن حق الإنسان في أن يقول كلمته دون أن يُصادَر صوته أو يُغلق عليه الأفق.
رفضت أن يحصرها البعض في تصنيف سياسي أو ديني.فكانت بامتياز صوتا للانسان للحريه.
قضايا الصحفيين، التي تبدو للبعض ملفات قانونية، كانت في وجدانها حكايات حياة… لكل قضية وجه، ولكل وجه خوف، ولكل خوف انتظارٌ طويل لمن يمدّ إليه يدًا لا ترتعش.


شبكات الدعم التي سعت إلى بنائها لم تكن مجرد تنظيمات، بل محاولة لإعادة التوازن إلى عالمٍ اختلّت فيه المعادلة… عالمٌ يملك فيه الأقوى أدوات القمع، بينما لا يملك الأضعف إلا صوته… إن بقي له صوت.


العمل مع المنظمات الدولية لم يكن ترفًا مهنيًا، بل ضرورة فرضها واقعٌ لا يعترف بالحدود… لأن التضييق على الحريات، كما الدفاع عنها، لم يعد شأنًا محليًا.
العدالة، كما تتبدى في مسيرتها، ليست نصًا يُتلى، بل موقفٌ يُتخذ… وإرادةٌ تُمارس… وقدرةٌ على حماية إنسانٍ مهدد، حتى لو كان الثمن مواجهة منظومة كاملة.
حرية الصحافة، في رؤيتها، ليست امتيازًا، بل حقًا أصيلًا لأي مجتمع يريد أن يرى نفسه بوضوح… لأن كسر المرآة لا يُخفي الحقيقة، بل يُشوّهها.


الصحفي الذي يُلاحق اليوم، قد يكون هو ذاته من أنقذ الحقيقة بالأمس… والفارق ليس في الفعل، بل في ميزان القوة الذي يختلّ كل يوم.
العالم الذي تتحرك فيه، ليس عالمًا مثاليًا، بل ساحة صراعٍ تُدار فيها المعارك بصمت… تُكتب قراراتها في الغرف المغلقة، وتُدفع أثمانها في العلن.


القانون الدولي، بكل ما يحمله من مبادئ، يظلّ بلا روح إن لم يجد من يطبّقه بإيمان… ومن هنا، تتجلّى قيمة من يحوّلون النصوص إلى حماية، لا إلى شعارات.
رحلتها لم تنتهِ، وربما لن تنتهي… لأن الدفاع عن الحرية ليس محطة وصول، بل طريقٌ يزداد طولًا كلما ظنّ البعض أنه اقترب من نهايته.
الوجوه التي لا تغيب، ليست تلك التي تبحث عن الضوء، بل تلك التي تظلّ في الخلف… تحرس المعنى، وتحمي من في الواجهة، دون أن تطلب شيئًا لنفسها.

نيفين ملك… واحدة من تلك الوجوه التي لا تغيب، لأنها اختارت أن تكون حيث يجب أن يكون الإنسان…

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى