
في سبتمبر من العام الماضي، تواصلت معي الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط حينها، لتعريفي بالسردية الوطنية. وللأمانة، كنت قد سمعت عن العمل من قبل، لكنني لم أكن قد قرأته. كنت فقط أراقب استقبالًا ممتزجًا بالفتور من البعض، وبالتندر من البعض الآخر، وسط قناعة مجتمعية صارت راسخة بأن “مافيش فايدة”.
طلبت من الوزيرة روابط التحميل، فأرسلتها مشكورة. وبدأت القراءة. لم تكن قراءة عابرة، بل سهرة طويلة من نوع سهرات الثانوية العامة؛ بدأت ليلًا وانتهت مع انتصاف النهار. ثم دوّنت ملاحظاتي وأرسلتها. بعدها تواصلت معي الوزيرة لمناقشتها، والتقينا في الوزارة في اليوم نفسه، ثم التقيت في اليوم التالي بفريق العمل كاملًا.
والحقيقة أن ما قرأته لم يكن عملًا دعائيًا، ولا وثيقة علاقات عامة، ولا تجميعًا تقليديًا لعبارات التنمية المعتادة. كان إطارًا جادًا ومتماسكًا، لدرجة أنني كتبت عنه سلسلة طويلة من المقالات، واعتبرت أن هذا العمل، رغم كل ما يمكن أن يقال في تفاصيله، من أفضل ما أنتجته الدولة كمسار مكتوب أو خطة قابلة لأن تتحول إلى برنامج عمل.
ولهذا تحديدًا يصبح السؤال الآن ضروريًا: أين ذهبت السردية الوطنية؟
لماذا تدعو الدولة عشرات ومئات الشخصيات للمشاركة، وتفتح نقاشًا، وتستمع لملاحظات، وتستهلك آلاف الساعات من عمل وزارات وخبراء ومسؤولين، ثم حين يخرج منتج جيد بالفعل، يوضع جانبًا وكأنه لم يكن؟ لماذا نبدأ كل مرة من الصفر، ونستدعي تقارير من الشرق والغرب، ونبحث عن “حلول جديدة”، بينما لدينا بالفعل إطار كان يمكن البناء عليه وتطويره وتنفيذه؟
الأزمة هنا ليست في أن السردية لم تكن مثالية. لا توجد وثيقة مثالية. الأزمة أنها كانت جيدة بما يكفي لكي تُستخدم، وجادة بما يكفي لكي تُختبر، ومتماسكة بما يكفي لكي تصبح مرجعية للحكومة في ترتيب الأولويات وربط التخطيط بالموازنة وقياس الأداء. لكنها، بدلًا من أن تتحول إلى مسار تنفيذ، تحولت إلى ذكرى مؤسسية.
وهذا يطرح سؤالًا أكبر من السردية نفسها: هل نحن جادون فعلًا في التخطيط؟ أم أننا نتعامل مع التخطيط كفعالية موسمية، نستدعي الناس إليها، ونأخذ من وقتهم وخبرتهم، ثم نمضي بعدها كأن شيئًا لم يحدث؟
لست أكتب هذا من باب الحنين إلى وثيقة، ولا دفاعًا عن وزارة أو شخص. أكتبه لأن ما حدث يكشف خللًا أعمق في طريقة إدارة الدولة لأفكارها الجيدة. لدينا قدرة على إنتاج عمل محترم، ولدينا خبرات تستطيع أن تصيغ إطارًا متقدمًا، ولدينا أحيانًا شجاعة الاعتراف بالمشكلات داخل الوثائق. لكن عند لحظة التنفيذ، تتبخر الجدية، وتعود كل جهة إلى مسارها القديم، وتُترك الخطة على الرف.
السردية الوطنية لم تكن مجرد نص عن التنمية البشرية أو الاقتصاد الكلي أو الصناعة أو الاستثمار. كانت محاولة لتقول إن النمو لا يُدار بالانطباع، وإن الموازنة يجب أن ترتبط بالأداء، وإن القطاعات يجب أن تُختار وفق قدرتها على التشغيل والتصدير والقيمة المضافة، وإن الإنسان ليس بند تكلفة بل أصلًا إنتاجيًا. هذه ليست عبارات إنشائية. هذه كانت بداية منطق مختلف لإدارة الاقتصاد.تحليل اقتصادي
فلماذا نتخلى عنها؟ كيف يعقل أن نعمل على منتج جيد، ثم نعود بعد شهور لنبحث عن بديل له؟ كيف ندعو الناس للمشاركة، ثم لا نوضح لهم ماذا حدث بملاحظاتهم؟ كيف نطلب من الخبراء والسياسيين وأصحاب الرأي أن يتعاملوا بجدية مع مسار رسمي، ثم لا تتعامل الحكومة نفسها مع هذا المسار بالجدية ذاتها؟
المشكلة أن هذا النمط يضرب الثقة في أي حوار قادم. لأن الناس لا تفقد الثقة فقط عندما تفشل السياسات، بل تفقدها أيضًا عندما ترى أن السياسات الجيدة لا تجد طريقها للتنفيذ. وحين يترسخ هذا الشعور، يصبح السؤال الطبيعي عند أي دعوة جديدة: هل هذه عملية حقيقية، أم مجرد استهلاك منظم لوقت الناس؟
كان يمكن للسردية أن تكون نقطة انطلاق. كان يمكن أن تصبح وثيقة حاكمة للسياسات العامة، تُراجع كل ستة أشهر، وتُربط بالموازنة، وتُقاس عليها الوزارات، ويُعلن للرأي العام ما تحقق وما لم يتحقق. كان يمكن أن نختلف حولها، ونعدلها، ونصحح مسارها. لكن الأسوأ من الاختلاف هو التجاهل.أخبار صناعية
اليوم، ونحن نتحدث عن الصناعة والاستثمار والتشغيل والديون والتضخم، يبدو أننا نبحث عن إجابات متناثرة لمشكلات مترابطة. بينما السردية، على الأقل، حاولت أن تقدم إطارًا يربط هذه الملفات ببعضها. لم تكن نهاية الطريق، لكنها كانت بداية صالحة. وإهدار البداية الصالحة أخطر أحيانًا من عدم وجود بداية من الأصل.
لذلك، فالسؤال ليس: هل كانت السردية كاملة؟ السؤال الحقيقي: لماذا لم نكمل عليها؟
لماذا نملك عادة غريبة في هجر ما ننتجه حين يكون جيدًا؟ ولماذا يبدو أن الدولة أحيانًا تفضّل إطلاق إطار جديد على الالتزام بإطار قائم؟ وهل المطلوب من المشاركين في كل حوار وطني أو اقتصادي أو تنموي أن يقدموا وقتهم وخبرتهم، ثم ينتظرون في صمت مصيرًا مجهولًا لما شاركوا فيه؟.
أين ذهبت السردية الوطنية؟ هذا السؤال لا يخص وثيقة بعينها. إنه سؤال عن الجدية، وعن احترام الوقت العام، وعن قدرة الحكومة على تحويل الجهد المؤسسي إلى سياسة عامة. لأن الدول لا تتقدم فقط عندما تكتب خططًا جيدة، بل عندما تمتلك الشجاعة والانضباط لكي تمشي عليه







