ذاكرة التاريخمصر

القناطر الخيرية.. “جنة النيل” وشريان الدلتا النابض

تعد مدينة القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية واحدة من أجمل البقاع المصرية التي تجمع بين عبقرية الهندسة، وعراقة التاريخ، وسحر الطبيعة. هي المدينة التي اختارها النيل ليفصح فيها عن سر تفرعه إلى فرعي رشيد ودمياط، لترسم “القناطر” لوحة خضراء فريدة لُقبت بـ “جنة الله في مصر”.

عبقرية البناء وتاريخ التأسيس

يرجع الفضل في نشأة هذه التحفة المعمارية إلى محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، الذي أدرك ببعد نظره ضرورة التحكم في مياه النيل لخدمة الزراعة في الدلتا.

فقد وُضع حجر الأساس عام 1847، ومدة البناء استغرقت رحلة تشييدها قرابة 26 عاماً، واكتمل بناؤها في عهد الخديوي سعيد، وكان الهدف الاستراتيجي التحكم في تدفق المياه إلى الرياحات الثلاثة الكبرى (المنوفي، التوفيقي، البحيري) لضمان وصول المياه لكل شبر في دلتا مصر.

وقد شهد عام 1867 ظهور خلل في بعض عيونها بسبب ضغط المياه، فاستدعى الخديوي إسماعيل أمهر المهندسين لإصلاحها، وقام بترميم القناطر وهو ما تم بنجاح في عهد الخديوي إسماعيل:.

معالم سياحية وأثرية لا تُنسى

تعتبر القناطر الخيرية متحفاً مفتوحاً يضم بين جنباته معالم فريدة متحف الري، سجل حافل يوثق تطور وسائل الري منذ عهد الفراعنة وصولاً إلى السد العالي، ويضم مجسمات دقيقة لكباري وقناطر النيل.

ومحلج القطن الأثري، الذي أنشأه محمد علي باشا، ويتميز بطراز معماري فريد يعكس نهضة الصناعة المصرية في القرن التاسع عشر.

والحدائق والأشجار النادرة، تضم مساحات شاسعة من التنزه، وتنفرد بأشجار معمرة جُلب بعضها من شتى بقاع الأرض لتستوطن ضفاف النيل.

وكذلك المعاهد البحثية، تحتضن المدينة معاهد كبرى لبحوث الري والصرف، والبساتين، والأسماك، والنباتات العطرية، مما يجعلها مركزاً علمياً هاماً.

وجهة البسطاء والأثرياء

على مدار عقود، ظلت القناطر الخيرية “الملاذ” المفضل لجميع الطبقات الاجتماعية ذكريات الأسر، تحت أشجارها الكثيفة، حُفظت ذكريات ملايين المصريين في الأعياد والمناسبات

وشتمل ايضا سياحة اليوم الواحد، نظراً لقربها من القاهرة (حوالي 20 كم)، تظل الوجهة الأولى لرحلات الشباب والعائلات الباحثين عن الهدوء والمناظر الخلابة بأقل التكاليف.

وذكلك تشمل الشلالات، تضفي شلالات المياه المتدفقة من عيون القناطر لمسة من السحر، حيث يمارس الزوار ركوب الخيل و”الحناطير” وركوب المراكب النيلية.

الجغرافيا والسكان

تضم القناطر الخيرية عدداً من القرى العريقة التي تساهم في الطابع الريفي والإنتاجي للمدينة، ومن أشهرها قرية أبو الغيط، بهادة، وقرنفيل، والتي تشكل معاً نسيجاً متناغماً يجمع بين المدينة والقرية المنتجة.

ستبقى القناطر الخيرية رمزاً لـ “الخير” الذي حمله النيل لمصر، وتحفة معمارية تشهد على عظمة الإرادة المصرية في ترويض النهر العظيم لصناعة الحياة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى