
في السابع والعشرين من أبريل من كل عام، يتحول مشهد الحياة في هولندا رأساً على عقب. تختنق الشوارع بالبشر، وتُطلى المدن والقرى بفيض لا ينتهي من اللون البرتقالي، في مشهد احتفالي قلّ نظيره في العالم. إنه “عيد الملك” (Koningsdag)، اليوم الذي يخلع فيه الهولنديون ألقابهم الرسمية، ويحتشد الملايين في الشوارع للاحتفال بعيد ميلاد الملك فيليم ألكسندر، في كرنفال وطني يحوّل البلاد بأكملها إلى ساحة مفتوحة للفرح والفوضى الخلاقة.
بينما تعم الاحتفالات جميع أرجاء هولندا، يظل الحدث المركزي الذي ينتظره الجميع هو الزيارة السنوية التي يقوم بها الملك فيليم ألكسندر وعائلته لإحدى المدن الهولندية.
هذا العام، وقع الاختيار الملكي على مدينة “دوكوم” (Dokkum) الواقعة في مقاطعة فريزلاند شمالي البلاد، للاحتفال بعيد ميلاده التاسع والخمسين.
بدأت الزيارة الملكية في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، حيث تجوّل الملك برفقة الملكة ماكسيما وبناتهم الأميرات في شوارع دوكوم، وسط حشود غفيرة من المواطنين الذين ارتدوا أزياءهم البرتقالية وحملوا الأعلام واللافتات الترحيبية.
وتُعد هذه المرة الأولى التي يزور فيها الملك ويليم ألكسندر إحدى مدن مقاطعة فريزلاند للاحتفال بهذه المناسبة منذ توليه العرش عام 2013، مما أضفى على الحدث رونقاً خاصاً وحماساً كبيراً بين سكان المقاطعة.
كيف ولد عيد الملك؟
لفهم شعبية هذا العيد، لا بد من العودة إلى جذوره التي تضرب في عمق التاريخ الملكي الهولندي.
بدأ التقليد في عام 1885 تحت مسمى “يوم الأميرة”، احتفالاً بميلاد الأميرة فيلهلمينا، وتطور لاحقاً إلى “يوم الملكة”.
وعندما تولى الملك فيليم ألكسندر العرش في عام 2013، تحولت المناسبة رسمياً إلى “عيد الملك” (Koningsdag)، لتُقام سنوياً في السابع والعشرين من أبريل، وهو تاريخ ميلاده الرسمي.
جدير بالذكر أنه في حال صادف يوم 27 أبريل يوم أحد، يتم تقديم موعد الاحتفالات الرسمية إلى يوم السبت الذي يسبقه، كما حدث في عام 2025 حينما احتُفل بالمناسبة يوم 26 أبريل.
رمزية هذا العيد تتجاوز شخص الملك لتصبح تعبيراً عن الوحدة الوطنية، وتعزيزاً لمكانة العائلة المالكة في قلوب الهولنديين، وإحياءً لتقليد سنوي ينتظره الجميع بفارغ الصبر.
فعاليات وطقوس لا تُنسى
لا تكتمل فرحة عيد الملك دون مجموعة من الطقوس والفعاليات الراسخة التي تحول الشوارع إلى مسرح مفتوح للفرح الجماعي.
ففي كل عام تنتشر الأسواق الحرة في الشوارع والأرصفة والساحات العامة، حيث يُسمح للجميع ببيع مقتنياتهم القديمة دون الحاجة إلى ترخيص، في مشهد يُعرف باسم “Vrijmarkt” (السوق الحرة).
ويتحول متنزه “فوندلبارك” الشهير في أمستردام إلى سوق ضخم مخصص للأطفال، بينما تغص شوارع حي “جوردان” العريق بطاولات بيع الكتب والأسطوانات والملابس القديمة.
في المشهد الموسيقي، تنتشر المهرجانات الضخمة والحفلات المجانية في الهواء الطلق في كل زاوية.
مهرجانات عملاقة مثل “Kingsland Festival” في أمستردام و”Loveland van Oranje” تجتذب آلاف الشباب للرقص حتى ساعات متأخرة، بينما تقدم المقاهي والحانات عروضاً موسيقية حية تمتزج فيها الإيقاعات الهولندية التقليدية بأحدث صيحات موسيقى “الهاوس” و”التيكنو”.
تحول هذا الكرنفال الوطني السنوي إلى ظاهرة سياحية واقتصادية كبرى، لكنه يأتي أيضاً مصحوباً بتحديات لوجستية وتنظيمية هائلة تواجهها السلطات المحلية.
ففي أمستردام وحدها، يتوافد مئات الآلاف من الزوار كل عام، مما يدفع البلدية إلى فرض إجراءات صارمة لإدارة الحشود وتنظيم الحركة المرورية وضمان السلامة العامة.
تضطر السلطات أيضاً إلى إغلاق وسط المدينة بالكامل أمام حركة السيارات، وتوفير مئات الحمامات العامة المؤقتة، ونشر فرق الإسعاف والشرطة في كل مكان، في محاولة لضمان أن يمر هذا اليوم العملاق بسلام.
وقد لجأت بلدية أمستردام إلى إطلاق حملات توعوية تحث الزوار على “الاحتفال محلياً” وتجنب التوجه إلى المناطق الأكثر ازدحاماً حفاظاً على سلامتهم.
عيد الملك 2025 لمحة عن احتفالات العام الماضي
شهدت احتفالات العام الماضي 2025 مشهداً مؤثراً ومختلفاً بعض الشيء، حينما صادف عيد الملك يوم جنازة بابا الفاتيكان فرانسيس.
حينها، ألقى الملك فيليم ألكسندر كلمة مؤثرة قال فيها إن يوم الاحتفال الهولندي “له وجهان” في هذا اليوم، مضيفاً أن البابا الراحل “كان مصدر إلهام للكثيرين، كاثوليكاً كانوا أم غير كاثوليك”.
وتعبيراً عن الاحترام، قامت العائلة المالكة بتأخير موعد انطلاقتها الرسمية في مدينة دوتينخيم لمدة ساعة كاملة حتى لا يتعارض الاحتفال مع مراسم الجنازة المهيبة.
تظل العاصمة أمستردام الوجهة الأكثر جذباً للراغبين في خوض تجربة عيد الملك الهولندي الأصيلة.
فإلى جانب الأسواق الحرة التي تملأ شوارعها، تكتظ القنوات المائية الشهيرة بمئات القوارب المزدحمة بالمحتفلين الذين يعزفون الموسيقى ويرقصون، لتتحول الممرات المائية إلى ما يشبه الكرنفال العائم الذي يُعد من أكثر مشاهد العيد سحراً وإبهاراً.
عيد الملك.. روح الأمة الهولندية
في نهاية المطاف، فإن عيد الملك ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل هو تجسيد حي للشخصية الهولندية في أبهى صورها: متواضعة، منفتحة، عاشقة للحياة، وقادرة على تحويل ذكرى ميلاد ملك إلى احتفال شعبي يذيب الفوارق ويجمع الناس على اختلاف أصولهم وأعمارهم في بوتقة إنسانية واحدة.
إنه اليوم الذي تثبت فيه هولندا للعالم أن الوطنية يمكن أن تكون مرادفة للبهجة، وأن الملكية يمكن أن تكون جسراً للتواصل لا رمزاً للتباعد.







