“عاشقة التعليم” نبوية موسى.. في ذكرى رحيل رائدة التنوير التي لم تنحنِ للعواصف

تحل اليوم، الثلاثون من أبريل، ذكرى رحيل الأيقونة المصرية نبوية موسى (1886 – 1951)، السيدة التي لم تكن مجرد مربية فاضلة، بل كانت “ثورة” تمشي على قدمين في سبيل حق الفتاة المصرية في التعليم والكرامة. هي “أول” في كل شيء؛ أول من حملت البكالوريا، وأول ناظرة، وأول موظفة تتقلد وسام النيل، لتسطر بمسيرة حياتها ملحمة من الإرادة بدأت بالتخفي في ملابس خادمة للذهاب للمدرسة، وانتهت بلقب “رائدة تعليم الفتيات في مصر”.
البداية من كفر الحكما: الطفلة التي سرقت الختم لتصنع المستقبل
وُلدت نبوية موسى في محافظة الشرقية، وعاشت يتيمة الأب منذ ولادتها، لكنها لم تكن يتيمة العزم. في زمنٍ كان تعليم الفتيات يُعد “خروجاً عن المألوف”، أصرت نبوية على دخول المدرسة رغم معارضة أهلها، فلجأت إلى حيلة مذهلة؛ حيث ذهبت للمدرسة متخفية، وسرقت ختم والدتها لتقدم أوراقها بنفسها، لتبدأ رحلتها من مدرسة السنية بالقاهرة عام 1901، وتتخرج معلمة في عام 1906.
معركة البكالوريا: حين هزمت “العقلية الذكورية” بالعلم
حين عُينت معلمة بمرتب 6 جنيهات (نصف مرتب الرجل)، لم تقبل نبوية موسى بالظلم. وحين تذرعت وزارة المعارف بأن الرجال يحملون “البكالوريا”، قررت خوض التحدي بمفردها؛ فدرست وتقدمت للامتحان عام 1907 وحصلت عليها لتكون أول فتاة مصرية تنال هذه الشهادة، محطمةً القيود البيروقراطية ومجبرةً الوزارة على الاعتراف بكفاءة المرأة العلمية.
ناظرة المحافظات وصاحبة “بنات الأشراف”
تنقلت نبوية موسى في مناصب قيادية عديدة، من الفيوم إلى المنصورة ثم الإسكندرية والقاهرة. ونجحت في تحويل كل مدرسة تديرها إلى منارة علمية. وبعد معارك قانونية وصحفية مع وزارة المعارف أدت لفصلها (وتعويضها قضائياً بمبلغ ضخم آنذاك)، أسست مدارس “بنات الأشراف” الخاصة، والتي خرجت من بين جدرانها نوابغ مثل عالمة الذرة سميرة موسى، مما يؤكد أن رؤية نبوية كانت تمتد لصناعة “عالمات” لا مجرد موظفات.
القلم والمنصة: نضال وطني وريادة صحفية
لم يقتصر دورها على التعليم، بل كانت من أوائل أعضاء نقابة الصحفيين، وأسست مجلة “الفتاة”، وشاركت في مظاهرات ثورة 1919 التاريخية بجانب هدى شعراوي وصفية زغلول. خاضت معارك فكرية عبر مقالاتها في “الأهرام” و”البلاغ”، وألفت كتباً مدرسية وأدبية وديوان شعر، وسجلت تاريخها بصدق في كتاب “تاريخي بقلمي”، لتثبت أن المرأة المصرية قادرة على الإبداع في كل الميادين.
الرحيل وبقاء الأثر: جنازة تليق بـ “المربية الكبرى”
توفيت نبوية موسى في 30 أبريل 1951، وشُيعت جنازتها في موكب مهيب من الإسكندرية إلى القاهرة، تقدمه الوزراء ورجال الأدب وطلابها الذين آمنوا برسالتها. رحلت نبوية موسى دون أن تتزوج، بعد أن وهبت حياتها كاملة لـ “ابنتها الكبرى” وهي الفتاة المصرية، تاركةً خلفها مدارس تحمل اسمها، وتاريخاً يدرّس للأجيال في الإصرار والوطنية.
رحم الله نبوية موسى، التي علّمتنا أن العلم هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن انتزاعه، وأن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح.







