حدث في مثل هذا اليومذاكرة التاريخ

رياض السنباطي.. “حارس التراث” الذي توجته اليونسكو على عرش الموسيقى العالمية

تحل اليوم ذكرى واحد من أرفع الإنجازات في تاريخ الفن العربي، حين أعلنت منظمة اليونسكو بالتعاون مع المجلس الدولي للموسيقى في 30 أبريل 1977، فوز الموسيقار العبقري رياض السنباطي بجائزة أحسن موسيقي في العالم. ولم تكن الجائزة مجرد تكريم لشخصه، بل كانت شهادة ميلاد عالمية للموسيقى العربية في ثوبها الأصيل، واعترافاً بأن السنباطي هو “الوحيد الذي لم يتأثر بأي موسيقى أجنبية”، وظل وفياً للهوية الشرقية في أبهى صورها.

حيثيات الفوز: موسيقى تنطق بلسان العرب

جاء في حيثيات اختيار السنباطي للجائزة المرموقة كلمات تُكتب بماء الذهب؛ إذ أكدت لجنة التحكيم الدولية أن رياض السنباطي استطاع عبر لغته الموسيقية “المشرقة والوضاءة” أن يعبر عن مشاعر وأفكار وآمال الشعب العربي بأصالة متناهية قلما توفرت عند غيره. وكان ترشيحه مدعوماً بإجماع من اللجنة الموسيقية العليا في مصر ومجمع الموسيقى العربية التابع لجامعة الدول العربية، تأكيداً على أن روائعه التي تجاوزت المئتي لحن مع كوكب الشرق أم كلثوم (مثل “الأطلال”، و”رباعيات الخيام”، و”قصيدة مصر”) هي قمة النضوج الفني للموسيقى الشرقية.

الدراما وراء الكأس: عناد “مدحت عاصم” واللحظات الحرجة

لم يكن طريق السنباطي نحو العالمية مفروشاً بالورود، بل كادت الجائزة أن تفلت بسبب اعتراض الموسيقار مدحت عاصم، الذي رأى حينها (بصفته رئيساً للجنة الموسيقية الوطنية) ضرورة تكريم رياض في بلده أولاً، بل وذهب في رأيه إلى أن السنباطي قطب شرقي لكنه لم يصل للعالمية بمعايير اليونسكو. هذا الاعتراض كاد أن يلغي الترشيح لولا التدخلات المكوكية والضغوط التي مُرست لسحب الاعتراض، وهو ما تم بالفعل في اللحظات الأخيرة بالعاصمة التشيكية “براغ”، لتعلن اللجنة فوز السنباطي بالكأس والمكافأة المالية.

السنباطي وعبد الوهاب: إنصاف القدر “للعملاق الخجول”

جاءت هذه الجائزة العالمية في توقيت نفسي دقيق للموسيقار رياض السنباطي، الذي كان يعيش نوعاً من العزلة الاختيارية ويشعر بـ”الغبن” لعدم حصوله على تقدير يوازي ما ناله رفيق دربه محمد عبد الوهاب من دكتوراة فخرية وجوائز دولة تقديرية. فكانت جائزة اليونسكو بمثابة “طبطبة” من القدر وإنصاف دولي وضعه في مرتبة فريدة، وجعلت من بيته مزاراً لرجال الصحافة العالمية الذين أخرجوه من خلوته ليحتفوا بـ “العبقري الذي حرس حدود النغم العربي”.

رحيل “تمساح النغم” وبقاء الأثر

رحل رياض السنباطي (1906 – 1981) تاركاً خلفه ثروة موسيقية قوامها “القصيدة” والرصانة اللحنية. واليوم، ونحن نستعيد ذكرى فوزه بجائزة اليونسكو، نتذكر أن السنباطي أثبت للعالم أن “العالمية لا تعني التغريب”، بل هي الغوص في أعماق الهوية المحلية بصدق حتى يصل صداها إلى أبعد آفاق الأرض.

رحم الله رياض السنباطي، الذي علمنا أن الوحدة اللحنية هي أصدق تعبير عن الوحدة العربية، وأن التمسك بالأصل هو أقصر الطرق للوصول إلى العالمية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى