د. أيمن نور يكتب: من دفتر احلامي… رسالة إلى “رشا”… أمي التي تصغرني

من دفتر أحلامي…
رسالة إلى”رشا”أمي التي تصغرني
بألمي قبل قلمي
يحدث أحيانا أن يتأخر رثاء…
لا …لأن القلب نسي،
بل لأن الحزن كان ولازال
أكبر من أن يكتب،
وأعمق من أن يقال.
كان يتشكل في صدري…
مثل جنين يخاف الضوء،
ينمو على مهل،
يتغذى على الصمت،
ويخشى لحظة الولادة.
رشا…
يا اسما بحروفه القليلة
كان يمشي على الأرض
خفيفا كدعاء السماء،
ثقيلا كمعنى الأمومة.
لم أكتبك يوم رحلت…
لأنني كنت مشغولا بمحاولة الفهم،
وكان الفقد أكبر من اللغة،
وأشد قسوة من أن يترجم إلى حروف.
نعم
أنت ابنة خالتي…
“معتزة”…
لكن القرابة بيننا
لم تكن فقط نسبا،
بل كانت قدرا.
ولدت بعدي بسنوات قليلة،
لكنِك سبقتِني إلى الرحيل،
كما يسبق الضوء الظل،
وكما تسبق الأمهات أبناءهن
يا رشا
في ذلك الصيف البعيد…
صيف 1995،
كانت أمي
“معتصمة”
تقاوم قلبها المتعب
كنت معنا في لندن
في ممرات مستشفى
مجدي يعقوب،
كنت أنت هناك…
كنت أصغرنا سنا،
لكنِك كنت أكبرنا جلدا،
وأكثرنا صبرا،
وأشدنا إيمانا
أن الرحيل ليس نهاية…
بل انتقال إلى رحاب أوسع.
أذكر تلك الردهات الكئيبة…
تلك الأبواب الثقيلة…
تلك اللحظات العصيبة
التي كانت تقاس بالنبض
لا بالوقت…
كنت تمشين فيها
كأنك تحفظين الطريق
إلى السماء،
كأنك تعرفين مسبقا
أنك ستسيرين فيه يوما.
قبلنا وكأنك قبيلتنا
يا رشا
بعد أن رحلت أمي…
قررت أنت —في صمت يشبه النذر—
أن تكوني أمي الثانية.
لم تعلني ذلك،
لكنِك فعلته….
في سؤال عن صحتي،
في مكالمة تطمئنين فيها
وتطمئنيني على الجميع،
قدرة نادرة على أن تسمعي
دون أن تحاكمي،
وأن توصي
دون أن تثقل.
ربما
اختلفنا… في السياسة،
في الرؤى،
في تقدير اللحظات.
ما بعد ٢٠١٣
لكننا لم نختلف
لحظة واحدة
في نبل المقاصد.
لأن ما كان بيننا
لم يكن اتفاقا…
بل عمر من التوافق.
يا رشا
كنت تعرفين حزني
قبل أن أفصح عنه،
وتلتقطين ارتجاف صوتي
من خلف آلاف الأميال،
وتقولين ببساطة الأمهات:
“مالك يا أيمن؟”
كان هذا السؤال
كافيا ليعيد ترتيب أفكاري.
يا رشا
في سنوات الاعتقال الأخير…
كنت تأتين، لزيارتي
تحملين معك ابتسامة
لا تعرف الهزيمة،
وقلت لي في زيارتك الأولى:
“اعتبرها سنوات تجنيدك…
التي أعفيت منها
كونك وحيد والديك،
ضحكت يومها…
ثم بكيت،
لأن الجملة نفسها
قالتها لي أمي
قبلها بربع قرن…
في زيارتها الأولى
في اعتقالي الأول.
يا رشا…
كيف تشبهينها هكذا؟
في الروح.. الحنان.. الإيمان
كيف تكررينها هكذا
دون أن تقصدي؟
أكان الحزن يورث اللغة؟
أم أن الأمومة فطرة
لا تحتاج إلى رحم؟
ما كل هذا الشبه
أمي الأولى…
أخفت مرضها
سنوات طويلة،
وأنت أيضا…
أخفيت وجعك
ومرضك الخطير
حتى اللحظة الأخيرة.
كأنكما اتفقتما —سرا—
أن تكونا قويتين إلى حد الألم،
وصابرتين إلى لحظة الغياب.
يا رشا
كنت الخيط الذي يربطني بأسرتي،
الصوت الذي يختصر المسافات،
التفاصيل الصغيرة
التي كانت تنقذني
من الغربة الطويلة.
كنت تحدثينني عن الجميع…
إلا عنك؟
كنت تعرفين أخباري كلها،
وأجهل أنا
أهم ما فيك:
وجعك ومرضك.
يا رشا
رحلت…
في صمت..
كما ترحل
الأشياء النبيلة:
بهدوء وسكينة
تليق بك،
وتركت في حياتي
فراغا
يشبه سؤالا بلا إجابة.
يا رشا
أمس…
جئتني لأول مرة
في منام.
لم تتغيري…
نفس الابتسامة،
نفس الدفء الإنساني،
نفس الحنان الذي يشبه الغفران.
سألتني:
“مالك يا أيمن؟”
قلت:
“ضيق في صدري…”
وتوتر داخلي يؤرقني
فنظرت إلي…
كما كانت تفعل أمي،
بنفس القلق،
ونفس الطمأنينة.
سألتني:
“لماذا لم تكتب عني؟”
وهنا…
انهرت.
بكيت في الحلم،
كما لم أبك في الواقع،
لأنني أدركت أخيرا
أنك رحلت…
حقا.
استيقظت…
والوسادة مبللة،
والقلب يعيد اكتشاف الفقد
للمرة الثانية.
لم أجد ما أعزي به نفسي…
إلا أن أكتبك الآن،
أن أضعك على الورق
كما كنت في حياتي:
أما…
تصغين،
تربتين،
وتختفين
قبل أن تأخذين
ما تستحقين.
يا رشا
سلام عليك…
يا نسخة أمي الأخرى
والأخيرة،
يا قلبا اتسع للعالم
ثم رحل بصمت.
سلام على صبرك
الذي لم أر مثله
إلا في عينيها.
سلام على ابنك…
على زوجك…
على أمك…
على أختك…
على أهلك
على كل من أحبك،
وعزائي في جزء مني
الذي رحل معك
ولن يعود.
زرتني في السجن،
وفي الغربة،
وفي كل ضيق…
فلا تتأخري عن زيارتي
في جنة الحلم.
ويا رب.. في حلم الجنة..
هناك…
سنكمل الحديث
الذي قطعه الفقد،
وسأقول لك أخيرا:
شكرا…
يا أمي
التي جاءت متأخرة،
ورحلت مبكرة.







