الفريق مدكور أبو العز.. الأسطورة التي أعادت الكرامة في “أربعين يومًا”

تجسد سيرة الفريق طيار مقاتل مدكور أبو العز (1918 – 2006) واحدة من أنصع صفحات التاريخ العسكري المصري؛ إذ لم يعرف هذا القائد للمستحيل سبيلًا، وبرز كبطلٍ مغوار حطم غرور “موشي ديان” في ذروة نشوته بانتصار وهمي.
ويعد أبو العز رمزاً لمدرسة الصمود والتخطيط العلمي الرصين، فهو الطيار الذي برهن للعالم أجمع أن المقاتل المصري قد يمرض لكنه لا يموت، وأن مسيرة الرد على الهزيمة واسترداد الكرامة تنطلق بقوة منذ اللحظة الأولى للانكسار.
النبوءة المظلومة: “العار أن نُضرب على الأرض”
بدأت عبقرية مدكور أبو العز تظهر مبكراً، فقد كان أصغر طيار يتخرج في تاريخ مصر (17 عاماً)، وتولى إدارة الكلية الجوية وهو في الثامنة والثلاثين. قبل نكسة 1967 بـ 4 سنوات، وتحديداً في عام 1963، قدم طلباً للمشير عبد الحكيم عامر لبناء “دشم” ومخابئ خرسانية للطائرات، لكن طلبه قوبل بالرفض. حينها قال كلمته الخالدة التي سجلها التاريخ: «من الشرف لقواتنا الجوية أن تفقد إحدى الطائرات في معركة جوية، ولكن من العار أن تفقدها وهي رابضة على الأرض». دفع ثمن صدقه بإبعاده عن الجيش وتعيينه محافظاً لأسوان، لينجح هناك أيضاً ويشيد “كورنيش أسوان” الشهير، قبل أن تثبت الأيام صدق نبوءته الحزينة في 5 يونيو.

معجزة الـ 40 يومًا: الضربة الجوية المباغتة (14 يوليو 1967)
بعد التنحي والعودة، كان أول قرار للرئيس جمال عبد الناصر هو استدعاء “الأستاذ” مدكور أبو العز وتعيينه قائداً للقوات الجوية بصلاحيات مطلقة. في وقت كان يظن فيه الإسرائيليون أن القوات الجوية المصرية جثة هامدة، قام أبو العز بتجميع 250 طائرة (بما فيها طائرات التدريب) وأعد فخاً محكماً.
في يومي 14 و15 يوليو 1967 (بعد 40 يوماً فقط من الهزيمة)، شن مدكور أبو العز ضربة جوية ساحقة استهدفت تجمعات العدو ومطاراته في سيناء. كانت تعليماته صارمة: «اصطادوا الأفراد كالفئران»، لعلمه أن العدو لا يمكنه تعويض طياريه وضباطه بسهولة. لم تفقد مصر طائرة واحدة في هذه العملية، مما دفع موشي ديان للصراخ عبر التلفزيون مطالباً برأس مدكور أبو العز كمجرم حرب، وطلب وقف إطلاق النار فوراً.
الصدام مع السوفيت والرحيل الصامت
لم تكن معارك مدكور أبو العز ضد العدو فقط، بل كانت ضد التبعية أيضاً؛ فقد رفض سيطرة الخبراء الروس (السوفيت) على مفاصل القوات الجوية، ورفض تهكم المارشال “زخاروف” على الجيش المصري، بل ودخل معه في مشادات كلامية حادة دفاعاً عن كرامة المقاتل المصري. وتحت ضغط الروس الذين اشترطوا إبعاده لاستمرار الدعم، وافق عبد الناصر على إقالته، ليرحل مدكور وهو مرفوع الرأس، بعد أن أرسى قواعد “الطيران المنخفض جداً” الذي كان مفتاح نصر أكتوبر 1973.
ليلة القدر في رحاب الله
عاش الفريق مدكور أبو العز بقية حياته في صمت الأبطال، بعيداً عن الأضواء والضجيج، إلى أن اختاره الله إلى جواره في عام 2006. ومن كرامات هذا البطل أنه توفي في ليلة القدر وهو يصلي الفجر، لتكون نهايته تليق بسيرة رجل عاش طاهراً ومات مدافعاً عن كرامة أمة.
رحم الله الفريق مدكور أبو العز، الرجل الذي أبكى إسرائيل في وقت ظنت فيه أنها ملكت الأرض، وأثبت أن “النسور المصرية” قادرة دائماً على التحليق فوق جراحها.







