تونسحقوق وحرياتملفات وتقارير

تصفية أعرق منظمة حقوقية: هل دخلت تونس مرحلة “الجمهورية بلا معارضة”؟

تحاصر الضغوط الإدارية والقضائية المتصاعدة في الجمهورية التونسية العمل الحقوقي المستقل بشكل غير مسبوق. يمثل قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر كامل منعطفاً خطيراً يتجاوز كونه مجرد إجراء روتيني أو نزاع قانوني عابر. تعكس هذه الخطوة رغبة واضحة في تحجيم دور أعرق المنظمات الحقوقية في القارة الأفريقية والمنطقة العربية، وهي المنظمة التي حازت تقديراً عالمياً كعضو في الرباعي الراعي للحوار الوطني المتوج بجائزة نوبل للسلام. تسعى السياسات الحالية إلى دفع المؤسسات المدنية نحو الانشغال بمعارك البقاء والشرعية القانونية بدلاً من ممارسة دورها الرقابي الأصيل في توثيق الانتهاكات والدفاع عن الحريات العامة.

استهداف الذاكرة الحقوقية وتفكيك القوة الأخلاقية

تستمد الرابطة ثقلها من تاريخ نضالي بدأ منذ تأسيسها عام 1977 في ظل مناخ سياسي منغلق تماماً. نجحت المنظمة في الصمود أمام تضييقات العقود الماضية، وشكلت في عهد بن علي منصة نادرة لفضح الاستبداد ومساندة عائلات المعتقلين السياسيين أمام الرأي العام الدولي. لم تكن الرابطة مجرد جمعية، بل كانت تملك سلطة أخلاقية قادرة على كشف التكلفة الباهظة للقمع. تحول هذا الرصيد بعد أحداث يناير إلى دور سياسي محوري، حيث ساهمت في صياغة تسويات تاريخية جنبت الجمهورية التونسية صراعات دموية عام 2013، مما جعلها حائط صد منيع أمام انهيار السلم الأهلي وفراغ السلطة الذي عجزت الأحزاب عن ملئه.

حصار منهجي للمجتمع المدني وتجفيف منابع العمل

تتصاعد الملاحقات القضائية التي طالت كيانات بارزة مثل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وجمعية النساء الديمقراطيات ومنظمة منامتي لمناهضة العنصرية. تشير التقارير الميدانية إلى وجود ما لا يقل عن 12 ناشطاً بارزاً خلف القضبان بتهم تتعلق بطبيعة عملهم المدني، تزامناً مع حملات تجميد حسابات بنكية ومداهمات أمنية واتهامات معلبة بالتمويل الأجنبي. يهدف هذا التضييق المنهجي إلى محاصرة القضايا الحيوية مثل الهجرة وحقوق النساء وحرية التعبير قبل أن تنتج أي أثر سياسي، مما يؤدي إلى تقليص قدرة المجتمع على إنتاج رأي مستقل بعيداً عن الرواية الرسمية.

تآكل الضمانات القضائية وتكميم أصوات الصحافة

تتزامن هذه الإجراءات مع تفكيك الضمانات السياسية التي كانت تحمي المجال العام في الجمهورية التونسية خلال السنوات الأخيرة. يظهر هذا المسار بوضوح في ملاحقة الصحفيين، حيث جرى توقيف زياد الهاني في 24 أبريل الماضي عقب انتقادات وجهها للمرفق القضائي. يأتي هذا التراجع بعد قرارات حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء القضاة في عام 2022، مما أضعف استقلال السلطة القضائية وفتح الباب أمام التوسع في الحكم بالمراسيم. تؤكد تقارير دولية لعام 2026 صدور أحكام قاسية في قضايا “التآمر” شملت 37 شخصاً من النخب السياسية والحقوقية والبحثية، مما يعزز مناخ الترهيب العام.

تتحول الجمهورية التونسية اليوم من نموذج للاحتفاء بقوة المجتمع المدني إلى ساحة لإعادة ضبطه بالقوة القانونية. لا يمثل إضعاف هذه الوسائط انتصاراً للدولة، بل يترك المجتمع بلا قنوات شرعية لتصريف الأزمات، مما قد يؤدي إلى فقدان القدرة على إدارة الخلافات بشكل سلمي. إن قرار تعليق نشاط الرابطة هو اختبار حقيقي لما تبقى من هوامش الحرية، حيث تخسر المؤسسات الرسمية شريكاً حيوياً في الحفاظ على توازنات الاستقرار المجتمعي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى