مقالات وآراء

د. عدنان منصور يكتب : مأزق ترامب في مضيق إيران: إما الغرق وإما الانسحاب !

لم تكن الحرب التي أشعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نتنياهو، وشنّها على إيران لتحصل، وتدمّر وتقوّض السلام والأمن في الشرق الأوسط، وتزلزل اقتصادات دول العالم، لولا عنجهيته وتهوّره، وانقضاضه على الاتفاق النووي الإيراني الذي تمّ التوصل إليه يوم 14 تموز/ يوليو 2015، بعد سنوات من مباحثات ومفاوضات عسيرة جرت بين إيران والمجموعة 5+1، والتي ضمت الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا. لقد لقيَ الاتفاق النووي حينها ترحيباً وارتياحاً واسعيْن من المجتمع الدولي باستثناء دول قليلة معادية للنظام الإيراني، وعلى رأسها “إسرائيل”؛ حيث رأى رئيس وزرائها نتنياهو في الاتفاق “أنه خطأ تاريخي مرفوض جملة وتفصيلاً”، وتعهّد العمل على عرقلة طموحات إيران النووية. كما أنّ وزير المالية الأسبق يائير لبيد (زعيم المعارضة الحالي) صرّح قائلاً: “يجب التوضيح للولايات المتحدة أنّ الاتفاق لا يلزم “إسرائيل” التي تحتفظ لنفسها بحق إبقاء الخيار العسكري على الطاولة إلى جانب الخيارات الأخرى”.

الاتفاق النووي دفع بنتنياهو للعمل على تحريك “إسرائيل” ولوبياتها اليهودية في الداخل الأميركي وخارجه، كي تمارس ضغوطها في كلّ اتجاه، لوأد الاتفاق النووي الذي اعتبره الجانبان الأميركي (باراك أوباما) والإيراني (حسن روحاني) على أنه اتفاق رابح رابح.

التزمت إيران بتنفيذ الاتفاق نصاً وروحاً، دون أيّ اعتراض على أدائها من أيّ طرف موقّع عليه، منذ عام 2015 وحتى تاريخ انسحاب ترامب منه يوم 8 أيار/ مايو 2018. كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تستند إلى تقارير مفتشيها حول المنشآت النووية الإيرانية، ومدى التزام إيران بالاتفاق، وكانت تؤكد باستمرار على أنّ إيران تلتزم بموجباتها، حيث لم تسجل الوكالة أيّ إخلال بالاتفاق من قبل طهران.

أثناء حملته الانتخابية الرئاسية كان ترامب يعلن عن عزمه الانسحاب من الاتفاق النووي، إذا ما فاز في الانتخابات، وذلك بغية كسب تأييد اللوبيات اليهودية، والموالين لـ “إسرائيل”!

بعد 12 سنة من المباحثات والتفاوض، والتوصل إلى اتفاق تاريخي عام 2015، انسحب ترامب عام 2018 من الاتفاق، مما أفقد ثقة إيران والعالم بالولايات المتحدة، وولّد شكوكاً كبيرة بصدقيتها، ومدى التزامها واحترامها مستقبلاً للاتفاقات التي ستنجم عن مفاوضات تكون طرفاً فيها. أدى الانسحاب إلى توتر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين وأحرجهم، بعد أن وضعت صدقيتهم والتزاماتهم أمام اختبار فعلي؛ فهم وإنْ أعلنوا عن تمسكهم نظرياً بالاتفاق النووي، وعدم انسحابهم منه، إلا أنّ رضوخهم والتزامهم بالعقوبات التي فرضها ترامب على إيران، كشف مدى استقلالية الأوروبيين وتبعيّتهم لأميركا، وعجزهم عن اتخاذ قرار مستقلّ ينقذ الاتفاق النووي، ويحدّ من العقوبات القاسية المفروضة على إيران، والتي ألحقت ضرراً كبيراً ليس فقط بإيران، وإنما أيضاً بمصالح الأوروبيين الاقتصادية الذين أُبعدت شركاتهم وصادراتهم واستثماراتهم الواسعة عن إيران.

القيادة الإيرانية وجدت في ترامب رئيساً متقلباً، متهوّراً، عدائياً لها، لا يحترم وعداً ولا عهداً، ولا يلتزم باتفاق أو قرار. سجله في هذا المجال واضح لا لبس فيه؛ إذ خلال فترة رئاسته الأولى 2017 ـ 2021، انسحب عام 2017 من منظمة اليونسكو، ومن اتفاقية باريس للمناخ، وعام 2018 انسحب من الاتفاق النووي، ومن مجلس حقوق الإنسان، وفي عام 2020 انسحب من منظمة الصحة العالمية، وبعد ذلك انسحب من اتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادئ (TPP). في خطوة واسعة وقع ترامب مذكرة تلزم الولايات المتحدة الانسحاب من 66 منظمة وهيئة دولية، من بينها 31 هيئة دولية تابعة للأمم المتحدة، والهدف من ذلك وقف التمويل والحضور الأميركي فيها.

بعد توليه الرئاسة، أعاد الرئيس جو بايدن الولايات المتحدة إلى الاتفاقات التي انسحب منها ترامب: اتفاق باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية. كما خطت إدارة بايدن خطوات لإعادة إحياء الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب.

إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، لُدغت أكثر من مرة من قبل ترامب، فهي ترى أنّ الاتفاق لا يعيش بالنصوص وإنما بصدق النوايا، والالتزام به، وتطبيقه نصاً وروحاً، ويجب أن تتوفر له ضمانات قوية، دون الرهان على ضمانات سياسية تتغيّر مع الوقت وفق مصالح الأطراف. لذا يجب ربط الالتزامات بآلية تنفيذ واضحة وعملية مباشرة، حتى لا تبقى الاتفاقات أسيرة المزاج والأهواء.

لقد اعتبرت الولايات المتحدة الاتفاق النووي اتفاقاً سياسياً غير ملزم، وليس معاهدة دولية مصدقاً عليها، وبالتالي يمكن الانسحاب منه. التبرير الأميركي غير صحيح؛ لأنّ الاتفاق النووي اكتسب قوته القانونية الدولية من مجلس الأمن، الذي تبنى الاتفاق بموجب قراره الصادر بالإجماع رقم 2231، تاريخ 20 تموز/ يوليو 2015، ما جعل الانسحاب الأميركي الأحادي من الاتفاق يشكل إخلالاً فاضحاً بالإطار الدولي الناظم للاتفاق.

ما يريده ترامب هو تركيع إيران وفرض الشروط المذلة عليها وتجريدها من أيّ قوة عسكرية، والإطاحة بنظامها، والإتيان بعملائه لقيادة إيران من جديد. هذا ما أراد تحقيقه من خلال العدوان الأميركي الإسرائيلي الأول الذي دام من 13 إلى 24 حزيران/ يونيو 2025، ومن العدوان المشترك الثاني الذي بدأ يوم 28 شباط/ فبراير 2026 والذي توقف يوم 8 نيسان/ أبريل بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مشروط لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية تنتهي يوم 22 نيسان، ثم مُددت المهلة لخمسة أيام أخرى حتى تقدم إيران مقترحاً لإنهاء الصراع.

لم يكن ترامب ولا قادته العسكريون يتوقعون صمود إيران الذي بهر العالم، وتصديها للعدوان الأميركي الإسرائيلي بكلّ قوة وحزم، رغم العمليات العسكرية الواسعة النطاق التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، ومنظومات الصواريخ البالستية، والمقرات الأمنية، والبنى التحتية، والمدن، والمواقع المدنية، والعديد من القادة السياسيين والعسكريين.

إنّ تمسك إيران بمطالبها، وحقوقها المشروعة، وصمودها الصلب في وجه ثنائي العدوان، وأخذها المبادرة في إغلاق مضيق هرمز، قلب المعادلات السياسية والعسكرية والأمنية، وأربك ترامب وإدارته، بعد أن أدى تعطيل إيران للمضيق إلى توجيه ضربة مباشرة لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها المنتجين للطاقة، ما أسفر عن زلزلة اقتصادات العالم، وتضرّر شركات الشحن، والحدّ من توريد الطاقة وارتفاع أسعارها، وتأثير ذلك على قطاع الصناعة وحركة النقل والتجارة العالمية. إذا كانت المنطقة في هدنة مؤقتة قابلة للاشتعال في أيّ وقت، فعلى ترامب وصقوره أن يدركوا أنّ إيران لن تركع، وهي تتمسك بكلّ قوة بمطالبها وحقوقها مهما كان الثمن، وأنّ حرباً شاملة إذا ما شنّها ترامب على إيران ستكون كارثية على المنطقة كلها، وستتجاوز كارثتها النطاق الجغرافي لمضيق هرمز والخليج.

إيران التي تستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، تريد أن تقول لترامب: لا تفريط بحقوق إيران، ولا المسّ بسيادتها، وهي جاهزة في أي وقت للتصدّي لأي عدوان أميركي ـ إسرائيلي عليها، وهي مُصرّة على أن يكون المضيق بوابة الحلّ للصراع الدائر في المنطقة، وأن أي عمل عسكري، أو مغامرة متهورة تقوم بها لاحقاً واشنطن ضد إيران، عندها سيكون المضيق ساحة للحسم!

جبروت الولايات المتحدة اهتز وترنّح في مضيق هرمز، كما أنّ هالتها ومكانتها، وهيبتها في المنطقة والعالم بعد أزمة المضيق ستتراجع كثيراً، ولن تكون كما كانت قبلُ. إيران بمضيق “هرمزها”، وصمودها، ومقاومتها الشرسة للعدوان، ستكون العامل الرئيس لتراجع الولايات المتحدة عن قيادتها للعالم مستقبلاً، بعد أن عرفت معظم الدول، لا سيما الحليفة والصديقة لواشنطن، حقيقة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ومدى دور نتنياهو فيها، وما أسفر عن الحرب من تداعيات خطيرة على اقتصادات الدول، وعلى الأمن والاستقرار الدوليين.

الرئيس ترامب يريد “أميركا أولاً”، لكن هذا ليس على حساب إيران، ولا على حساب كلّ من يقول لا للثور الهائج، الذي ضجّ منه حلفاؤه وأصدقاؤه قبل أعدائه.

على يد إيران ومضيقها هرمز، سيشهد العالم بداية تقهقر الإمبراطورية، بعد أن رأى صمود إيران، وشاهد الصواريخ الإيرانية تدكّ وتدمّر معاقل القواعد العسكرية الأميركية بكلّ قوة وحزم، لتضع ترامب وصقوره من جديد، بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، أمام خيارين: إما استئناف الحرب مجدداً أو القبول بمطالب إيران المشروعة، وهما أمران أحلاهما مرّ، وما على ترامب إلا أن يختار!

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى