مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: محمد بن راشد المكتوم..رسالة تحتاج تفكيك وإعادة قراءة


ليست كل الكلمات التي تُكتب تُراد للقراءة السطحية… وبعض الرسائل تُقال بلغة الحكمة، لكنها تُوجَّه بلغة السلطة. هكذا بدت تغريدة محمد بن راشد آل مكتوم، أقرب إلى خطاب داخلي مُهذّب، منه إلى حكمة عامة تُعلّق على جدار.
عبارة “المسؤولية أمانة” لا تقف عند حدود البلاغة الأخلاقية، بل تستدعي زمنًا كان فيه المعنى واضحًا لا يحتاج إلى تذكير. إعادة طرحها اليوم توحي بأن الأمانة لم تعد بديهية، وأنها باتت في حاجة إلى استدعاء… وكأن النص يُخاطب واقعًا تسلّل إليه خلل صامت.
التحذير من الانشغال بالنجاح الشخصي لا يأتي في فراغ، بل يعكس قلقًا من تحوّل الإنجاز إلى مشروع فردي، ينمو على حساب الفكرة الجامعة. هنا يصبح النجاح، بدل أن يكون رصيدًا للدولة، احتمالًا لخلخلة توازنها، إذا انفصل عن سياقها العام.
الإشارة إلى ضرورة نجاح بقية المسؤولين تحمل معنى أعمق من مجرد التعاون؛ إنها دعوة إلى إعادة بناء “روح الفريق” داخل منظومة الحكم. فالدول لا تُدار بجزر منفصلة، ولا تستقيم بجهود متوازية لا يربطها هدف واحد. وما يبدو في النص دعوة أخلاقية، يخفي في عمقه سؤالًا عن درجة التماسك داخل دوائر القرار.
حين ترتفع اللغة إلى حد وصف الأنانية في العمل العام بالخيانة، فإننا لا نكون أمام مبالغة بلاغية، بل أمام توصيف لمرحلة دقيقة، تتطلب إعادة ضبط المعايير، قبل أن تتحول الأخطاء الفردية إلى ظاهرة مؤسسية يصعب احتواؤها.
في ختام الرساله تحذّير من أن يصبح المسؤول “همًّا على الوطن” تختصر المسافة بين الموقع والوظيفة؛ فالمناصب ليست امتيازًا، بل عبءٌ لا يحتمل من لا يرى في الوطن أكثر من منصة. وفي مثل هذه العبارات، يظهر الوجه الحقيقي للرسالة: تذكيرٌ بأن الدولة لا تحتمل ازدواج الولاء بين الذات والمجموع.
في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، حيث تتقاطع المصالح وتتبدّل التحالفات، لا يكون التحدي في مواجهة الخارج فقط، بل في صيانة الداخل من التآكل البطيء. وهنا تتحول الحكمة إلى أداة ضبط، ويتحوّل الخطاب الأخلاقي إلى ضرورة سياسية.

هكذا يمكن قراءة النص… لا باعتباره درسًا في القيم، بل باعتباره إشعارًا بضرورة المراجعة. فالدول التي تُحسن الاستماع إلى مثل هذه الرسائل، تملك فرصة التصحيح قبل أن تدفع كلفة التجاهل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى