
من يدفع ثمن “صمود” الاقتصاد المصري؟
حين تصبح الأرقام وجوهًا
في مقهى شعبي بوسط القاهرة، يقف “عم حسن” خلف ماكينة القهوة، يقلب الجمر بيد، ويراقب الزبائن باليد الأخرى. قبل عامين، كان المقهى يمتلئ صباحًا بعمال التراحيل والموظفين.
اليوم، تقلصت الكراسي المشغولة إلى النصف. “الناس بتحسب كل قرش”، يقول وهو يمسح الكوب للمرة الثالثة، “واللي كان يطلب قهوة وشاي بقى يطلب قهوة سادة وخلاص”.
هذه الصورة اليومية ليست استثناءً.
إنها الوجه الآخر لأرقام تُتلى في نشرات الأخبار عن “صمود” الاقتصاد المصري و”قدرته على امتصاص الصدمات”.
لكن السؤال المؤرق الذي يفرض نفسه: هل “صمود الدولة” هو نفسه “صمود المواطن”؟
ومن يدفع الثمن الحقيقي لهذا الصمود المزعوم؟
تكشف المؤشرات الاقتصادية الأخيرة عن فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش.
ففي مارس 2026، عاد التضخم السنوي ليقفز إلى 15.2% في المدن المصرية، وهو أعلى مستوى له منذ عشرة أشهر، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والسلع الأساسية.
أما التضخم الأساسي، الذي يستثني السلع المتقلبة، فقد بلغ 14%، مما يعني أن الضغوط التضخمية ليست عابرة بل متجذرة في بنية الأسعار.
لماذا يدفع المواطن الثمن؟
فاتورة الطاقة من 12 إلى 25 مليار دولار
في اعتراف نادر، كشف رئيس الوزراء المصري عن أن فاتورة واردات الطاقة “زادت بأكثر من المثلين” منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.
وخلال عام 2025 وحده، استوردت مصر شحنات وقود من الخارج بقيمة 21 مليار دولار، بينما قفزت واردات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 81.6% لتصل إلى 8.9 مليار دولار.
لكن المسمار الأخير في نعش القدرة الشرائية جاء من أسواق النفط العالمية.
ففي الأيام الأخيرة من أبريل 2026، قفزت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 6.1% لتصل إلى 118.03 دولارًا للبرميل، مقتربة من أعلى مستوياتها في أربع سنوات.
هذه القفزة لا تذهب إلى فراغ. إنها تترجم مباشرة إلى ارتفاع تكاليف النقل والمواصلات
وزيادة أسعار السلع الغذائية المصنعة
و تضخم فاتورة دعم الطاقة في الموازنة العامة
و ضغط إضافي على احتياطي النقد الأجنبي
توقعات النمو تباطؤ في عز الأزمة ففي وسط هذه العاصفة، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.2% في العام المالي 2025/2026، مع تراجع تراكمي في التوقعات بلغ 1.1 نقطة مئوية.
وحذر الصندوق من ارتفاع المخاطر السيادية لمصر وتراجع الجنيه بنسبة 12% تحت وطأة الضغوط الخارجية.
أما معدلات التضخم، فتتوقع استطلاعات الخبراء أن تبلغ 13.5% في المتوسط خلال 2025-2026، و12% في 2026-2027، مما يعني أن سنوات الضغط على جيوب المصريين لن تنتهي قريبًا.
“الأموال الساخنة” هي مسكن مؤقت بآثار جانبية مميتة في محاولة لسد الفجوة التمويلية، فتحت مصر الباب واسعًا أمام ما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”.
ففي أول عشرة أشهر من عام 2025، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي في أذون وسندات الخزانة المصرية 11.7 مليار دولار، لتقفز أرصدة الأجانب في هذه الأدوات إلى 53.75 مليار دولار.
لكن هذه الأموال، كما يحذر خبراء، “تأتي كالسيل وتذهب كالسيل”.
أي أزمة عالمية أو تراجع في ثقة الدائنين قد يؤدي إلى خروج جماعي مفاجئ، تاركًا الاقتصاد في حالة اختناق تمويلي خانق.
وقد وصف أحد المحللين الاقتصاد المصري بأنه تحول إلى “اقتصاد زومبي مدمن على فودو الديون، وأي أزمة عالمية أو عدم ثقة للدائنين سيكون له آثار مدمرة”.
حزمة الحماية الاجتماعية مسكن أم علاج؟
في فبراير 2026، أطلقت الحكومة حزمة حماية اجتماعية بقيمة 40.3 مليار جنيه (نحو 860 مليون دولار)، تستهدف 15 مليون أسرة بدعم نقدي مباشر على دفعتين.
وقد تم صرف 18.5 مليار جنيه منها حتى منتصف مارس 2026.
لكن السؤال الجوهري هل تصل هذه الحزمة إلى مستحقيها فعلًا؟
وهل تكفي 400 جنيه إضافية لأسرة كاملة في زمن يقفز فيه التضخم إلى 15.2%؟
الإجابة تكمن في المقهى الذي يقف فيه “عم حسن”، حيث لم يعد الزبون العادي قادرًا على طلب كوب شاي إضافي.
في دراسة اجتماعية حديثة، رصد الباحثون صعود نزعة “أنا أولًا” في المجتمع المصري، كاستراتيجية للبقاء في مواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
هذه النزعة، التي كانت غريبة على المجتمع المصري التقليدي، تعكس تحولًا عميقًا في النسيج الاجتماعي، حيث لم يعد المواطن قادرًا على مد يد العون لجاره لأنه بالكاد يسد احتياجاته الأساسية.
طبقتان في وطن واحد
فالأزمة الاقتصادية لم تضرب الجميع بنفس القسوة.
بل على العكس، عمّقت الفجوة الطبقية بشكل غير مسبوق.
فبينما يعاني الملايين من المواطنين لتأمين لقمة العيش، تسيطر قلة محدودة على القرار السياسي ورأس المال، مستفيدة من آليات السوق والتحكم في الموارد.
وقد ارتفع عدد الفقراء في مصر إلى 34.8 مليون فرد في الربع الأخير من 2025.
هذه الثنائية تنتج واقعًا مأزومًا فقطاع واسع يشعر بأنه يتحمل وحده تبعات سياسات لا يشارك في صنعها، ونخبة تحصن نفسها بجدران من الامتيازات.
وفي تصريح لافت، أشار رئيس الوزراء إلى أن زيادة المعاشات “ليست من اختصاص الحكومة”، في تأكيد غير مباشر على ضيق هامش المناورة المتاح أمام السلطة التنفيذية.
حرب إقليمية بثمن محلي
فالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، من حرب غزة إلى التصعيد الأمريكي الإيراني، لم تعد أخبارًا بعيدة تُقرأ في الصحف.
لقد أصبحت تنعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق المحلية.
تقرير للجزيرة نت وصف الوضع بدقة: “ما زاد من المشكلة هو أن كل ما سبق أسفر عن ارتفاع أسعار السلع والخدمات، لا سيما مع قرار الحكومة المصرية رفع أسعار الطاقة، ما أفضى لعودة التضخم للارتفاع”.
والأخطر أن الحكومة المصرية تخطط لمواصلة استيراد الغاز المسال حتى عام 2030، عبر استئجار أربع سفن تغييز بطاقة تصل إلى 3.45 مليار قدم مكعب يوميًا.
هذا يعني أن فاتورة الطاقة المرتفعة ليست أزمة عابرة، بل حالة مزمنة سترافق الاقتصاد المصري لسنوات قادمة.
أفق مسدود أم أمل بعيد؟
السيناريو الأول استمرار الترقيع حتى الانهيار
يحذر مراقبون من أن استمرار سياسة “ترقيع” الاقتصاد – عبر الاقتراض لسداد ديون سابقة، واستيراد الطاقة بأسعار مرتفعة، والاعتماد على الأموال الساخنة – سيقود حتمًا إلى مأزق أكبر.
فبحسب أرقام صندوق النقد، بلغ إجمالي الدين العام العالمي 94% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 مع توقعات بتجاوزه 100% بحلول نهاية العقد، مما يعني أن نافذة الاقتراض المتاحة لمصر قد تضيق في المستقبل القريب.
السيناريو الثاني نحو رؤية بديلة
في المقابل، هناك من يطرح رؤية بديلة لا تستهدف تغيير بنية النظام بأكمله، بل تحسين الأداء الاقتصادي والاجتماعي عبر حزمة من السياسات والبرامج التنفيذية:
إعادة هيكلة الدعم بتحويل الدعم العيني إلى نقدي مشروط، لضمان وصوله إلى مستحقيه الفعليين بدلًا من تسربه للسوق السوداء والمستفيدين غير المستحقين.
وتحفيز الإنتاج المحلي عبر سياسات ضريبية وحوافز استثمارية تستهدف تقليل فاتورة الاستيراد، خصوصًا في قطاعي الطاقة والغذاء.
و تنويع مصادر التمويل والابتعاد التدريجي عن الأموال الساخنة والتوجه نحو استثمارات أجنبية مباشرة طويلة الأجل، مع تحسين مناخ الأعمال وتذليل العقبات البيروقراطية.
و تعزيز الشفافية بنشر بيانات دورية حول أوجه صرف الحزم الاجتماعية، وإشراك المجتمع المدني في آليات الرقابة على الدعم.
بصيص أمل في نفق الطاقة، ورغم قتامة الصورة، هناك مؤشرات على إمكانية تحسن ميزان المدفوعات في المستقبل، مع اكتشافات غاز جديدة أشار إليها رئيس الوزراء، والتي قد “تؤدي إلى تحسين ميزان المدفوعات عبر تقليل فاتورة الاستيراد وزيادة الصادرات المحتملة”.
لكن هذه الوعود تبقى رهينة بجدول زمني غير واضح المعالم.
خاتمة حين يصبح “عم حسن” هو المقياس
في نهاية المطاف، المقياس الحقيقي لنجاح أي سياسة اقتصادية ليس في تقارير المؤسسات الدولية ولا في بيانات الناتج المحلي الإجمالي.
إنه في قدرة المواطن العادي على أن يطلب كوب شاي إضافي في مقهى “عم حسن” دون أن يحسب حسابه ألف مرة.
عندما يتوقف صانع القهوة في المقهى الشعبي عن ملاحظة تغير سلوك زبائنه، عندها فقط يمكن القول إن الاقتصاد المصري “صمد” حقًا.
أما قبل ذلك، فكل حديث عن الصمود يبقى مجرد كلمات تذروها الرياح أمام جيوب مثقلة وقلوب مثقلة أكثر.







