مقالات وآراء

د.سمير عبد العزيز الوسيمي يكتب: لماذا يكرهون الحوكمة؟

ليست الحوكمة مكروهة لأنها غامضة، بل لأنها كاشفة.
وليست ثقيلة لأنها معقدة، بل لأنها تضع المرآة أمام المؤسسة: من يملك؟ من يقرر؟ من يراقب؟ من يحاسب؟ ومن يتجاوز صلاحياته باسم الخبرة أو القرب أو النفوذ أو “المصلحة”؟

في بيئات الأعمال، وخاصة في كثير من الشركات العربية والعائلية والنامية، لا تُقاوَم الحوكمة لأنها تفشل، بل لأنها تنجح. تنجح في تقليل المساحات الرمادية، وفي تحويل السلطة من مزاج الأشخاص إلى نظام، ومن العلاقات الشخصية إلى صلاحيات موثقة، ومن “هكذا اعتدنا” إلى “هكذا يجب أن نعمل”.

وهنا تبدأ المشكلة.

الحوكمة لا تحارب الأشخاص… بل تحارب الفوضى

الخطأ الشائع أن بعض الإدارات تنظر إلى الحوكمة باعتبارها خصماً للمرونة أو قيداً على الإنجاز. والحقيقة أن الحوكمة ليست عدوة السرعة، بل عدوة الارتجال. وليست ضد السلطة، بل ضد السلطة غير المنضبطة. وليست ضد الإدارة التنفيذية، بل ضد الإدارة التي تريد أن تعمل بلا مساءلة.

مبادئ الحوكمة الحديثة، كما تعرضها مبادئ مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تقوم على إطار واضح: حماية حقوق المساهمين، المعاملة العادلة، الإفصاح والشفافية، مسؤوليات مجلس الإدارة، والاستدامة والمرونة المؤسسية. هذه ليست شعارات تجميلية، بل شروط بقاء في الأسواق الحديثة.

ولذلك فإن من يكره الحوكمة غالباً لا يكره المصطلح ذاته، بل يكره ما يترتب عليه: وضوح الصلاحيات، توثيق القرارات، فصل الملكية عن الإدارة، تفعيل الرقابة، إلزامية الإفصاح، ومحاسبة الأداء.

معضلة مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية

من أكثر مشكلات الحوكمة شيوعاً في الشركات العربية اختلاط الأدوار بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.
فمجلس الإدارة، في الأصل، يضع الاتجاه الاستراتيجي، يراقب الأداء، يعتمد السياسات الكبرى، يحمي مصالح المساهمين وأصحاب المصلحة، ويحاسب الإدارة التنفيذية. أما الإدارة التنفيذية، فهي التي تقود التشغيل اليومي، وتنفذ الاستراتيجية، وتدير الموارد، وتحقق النتائج.

لكن في الواقع العملي يحدث الخلل في اتجاهين خطيرين.

الأول: مجلس إدارة يتحول إلى إدارة تنفيذية موازية، يتدخل في التفاصيل اليومية، ويكسر التسلسل الإداري، ويضعف المديرين، ويُربك خطوط السلطة.

والثاني: إدارة تنفيذية تستولي فعلياً على القرار الاستراتيجي، وتتعامل مع المجلس كختم اعتماد، لا كسلطة إشراف ومساءلة.

في الحالتين، تضيع الحوكمة. لا المجلس يبقى مجلساً، ولا الإدارة تبقى إدارة. وتتحول الشركة إلى مساحة مفتوحة للاجتهادات المتضاربة، والقرارات الشخصية، والولاءات المتغيرة.

لأن الحوكمة تكشف “حب المرَيسة”

في بعض البيئات، لا تكون مقاومة الحوكمة ناتجة عن جهل بها، بل عن إدراك عميق لخطورتها على من يحبون السيطرة غير المؤسسية. الحوكمة تزعج من يريد أن يكون كل شيء: مالكاً ومديراً ومراقباً ومحاسباً ومقرراً وحَكَماً في الوقت نفسه.

إنها تضع حدوداً لما يمكن تسميته “حب المرَيسة”: الرغبة في تصدر القرار دون تحمل كامل للمساءلة، أو استخدام القرب من المالك أو رئيس المجلس أو العائلة المالكة للشركة كبديل عن الكفاءة والصلاحية.

والحوكمة هنا لا تطرح سؤالاً أخلاقياً فقط، بل سؤالاً تشغيلياً: كيف يمكن لمؤسسة أن تنتج بجودة عالية إذا كان القرار فيها يمر عبر المزاج لا النظام؟ كيف يمكن قياس الأداء إذا كانت السلطة غير واضحة؟ وكيف يمكن محاسبة أحد إذا كانت المسؤولية موزعة في الهواء؟

لأنها تمنع الفساد الهادئ

ليس كل فساد يظهر في صورة سرقة مباشرة أو مخالفة فجة. هناك فساد هادئ وأكثر خطورة:
تعيين غير الأكفاء.
تجاهل تضارب المصالح.
تمرير العقود بالمجاملة.
تضخيم النفوذ الشخصي.
تغييب التقارير.
إضعاف الرقابة الداخلية.
وتحويل الشركة إلى شبكة علاقات بدلاً من مؤسسة أداء.

الحوكمة تضيق على هذا النوع من الفساد لأنها تطلب الإفصاح، وتضع السياسات، وتفصل الصلاحيات، وتفرض التوثيق، وتربط القرار بالمسؤولية. ولذلك فهي مزعجة لكل من يستفيد من الغموض.

وتشير مؤسسة التمويل الدولية إلى أن تحسين الحوكمة في شركات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتبط عملياً بجذب مصادر تمويل أفضل، ورفع الكفاءة، وتعزيز الاستدامة، وحل معضلات انتقال الأجيال في الشركات العائلية.

لأنها تصطدم بثقافة “الشركة بيتنا”

في الشركات العائلية تحديداً، تتعقد الحوكمة أكثر.
فالشركة ليست مجرد سجل تجاري، بل تاريخ عائلة، وذاكرة مؤسس، ومصدر مكانة اجتماعية، ومجال نفوذ بين أجيال. وهنا تختلط العاطفة بالقرار، والقرابة بالكفاءة، والملكية بالإدارة.

العبارة الجميلة “الشركة بيتنا” قد تكون مصدر ولاء، لكنها قد تتحول أيضاً إلى خطر إذا أصبحت مبرراً لإلغاء النظام. فالبيت قد يقوم على المحبة، أما الشركة فتحتاج إلى محبة ونظام معاً. تحتاج إلى دستور عائلي، ومجلس عائلة، وسياسات توظيف الأقارب، وآليات لتسوية الخلافات، وخطط تعاقب قيادي واضحة.

ولهذا تؤكد أدبيات حوكمة الشركات العائلية لدى مؤسسة التمويل الدولية أن الشركات المؤسسة أو العائلية تحتاج إلى أدوات حوكمة مخصصة لمعالجة تحديات الملكية، الإدارة، تعاقب الأجيال، والاستدامة طويلة الأجل.

الحوكمة تُكره لأنها تؤجل الانهيار… أو تمنعه

كثير من الشركات لا تنهار في يوم واحد. هي تنهار داخلياً ببطء، ثم يظهر السقوط فجأة عند أول اختبار كبير: وفاة المؤسس، انتقال الملكية إلى الجيل الثاني، نزاع بين الشركاء، أزمة سيولة، توسع غير مدروس، دخول مستثمر جديد، أو محاولة طرح عام في السوق.

عند هذه المحطات، تظهر الأسئلة المؤجلة:
أين الصلاحيات؟
أين السياسات؟
من يملك حق التوقيع؟
كيف تُحل النزاعات؟
ما حدود تدخل المالك؟
ما دور المجلس؟
ما حقوق الأقلية؟
كيف يتم الإفصاح؟
وأين خطة التعاقب؟

إن الشركات التي تؤجل الحوكمة تؤجل الإجابة عن هذه الأسئلة. لكنها لا تلغيها. فقط تجعل ثمن الإجابة أعلى لاحقاً.

وتبرز أهمية هذا الأمر في المنطقة العربية والخليجية بصورة خاصة، حيث تمثل الشركات العائلية ركناً أساسياً في الاقتصاد. وتشير تقارير PwC Middle East حول تعاقب الشركات العائلية إلى أن الحكومات الخليجية تتجه إلى تشجيع الهياكل الرسمية للحوكمة، وخطط التعاقب، والمواثيق العائلية، لضمان استدامة هذه الشركات عبر الأجيال.

الحوكمة ليست رفاهية مستوردة

بعض المقاومين للحوكمة يقولون إنها “نظرية غربية” أو “تعقيد لا يناسب واقعنا”. وهذا اعتراض مريح، لكنه غير دقيق.
فالحوكمة، في جوهرها، ليست وافداً ثقافياً غريباً، بل هي تنظيم للعدل والمسؤولية والأمانة وحفظ الحقوق ومنع تضارب المصالح. وهي مبادئ تعرفها كل الثقافات الجادة، وإن اختلفت مصطلحاتها.

ما استوردناه ليس قيمة الحوكمة، بل أدواتها الحديثة: لجان المجلس، الإفصاح، إدارة المخاطر، التدقيق الداخلي، مصفوفات الصلاحيات، سياسات تضارب المصالح، مواثيق العائلة، خطط التعاقب، ومؤشرات الأداء.

ومن يرفض هذه الأدوات بحجة الأصالة، يخلط بين الهوية والفوضى.

الشركات لا تُدار بالثقة وحدها

الثقة مهمة، لكنها لا تكفي.
الشركة التي تدار بالثقة وحدها تشبه سفينة تعتمد على نوايا البحارة دون خرائط أو أجهزة ملاحة أو قواعد قيادة.

الحوكمة لا تفترض سوء النية، لكنها لا تبني النظام على حسن النية وحده. هي تقول ببساطة: حتى لو كان الجميع مخلصين، يجب أن تكون الصلاحيات واضحة. وحتى لو كان المدير كفؤاً، يجب أن يخضع للتقييم. وحتى لو كان المالك حكيماً، يجب أن توجد قواعد تحفظ الشركة من تغير المزاج والظروف والأجيال.

ولذلك فإن الحوكمة ليست علامة انعدام ثقة، بل علامة نضج مؤسسي.

لماذا يخافون منها إذن؟

يخافون الحوكمة لأنها تسأل قبل أن تصفق.
تراجع قبل أن تعتمد.
توثق قبل أن تنسى.
تقيس قبل أن تمدح.
وتحاسب قبل أن تتراكم الأخطاء.

يخافها من اعتاد أن يعمل بلا حدود.
ومن يفضل الولاء على الكفاءة.
ومن يرى في الشفافية تهديداً.
ومن يستفيد من ضعف التقارير.
ومن يريد مؤسسة قوية في السوق، لكنها ضعيفة أمامه من الداخل.

لكن المفارقة أن هؤلاء، وهم يقاومون الحوكمة لحماية نفوذهم، يدفعون الشركة إلى التآكل الذي سيأكل نفوذهم نفسه في النهاية.

الخلاصة: الحوكمة ليست ضد أحد… إلا الفوضى

الحوكمة ليست مكتباً جديداً في الهيكل التنظيمي، ولا لائحة تُعلّق على الحائط، ولا تقريراً سنوياً أنيقاً، ولا خطاباً جميلاً أمام المستثمرين.
الحوكمة هي طريقة حياة مؤسسية.

هي أن يعرف مجلس الإدارة حدوده وقوته.
وأن تعرف الإدارة التنفيذية صلاحياتها ومسؤولياتها.
وأن يعرف المساهم حقوقه.
وأن يعرف الموظف مساره.
وأن يعرف المستثمر أين يضع أمواله.
وأن تعرف المؤسسة كيف تستمر بعد المؤسس، وبعد المدير القوي، وبعد الجيل الأول، وبعد الأزمة الأولى.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يكرهون الحوكمة؟
بل: من الذي يخاف من مؤسسة تعرف كيف تحكم نفسها؟

والإجابة تكشف كل شيء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى