مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب : وصاية لبنان… ووهم السيادة منذ نشوء فكرة الوطن

منذ منتصف القرن الثامن عشر، حين وقع لبنان على خطّ تصادم الإمبراطوريات، لم تكن “الوصاية” حالة طارئة، بل كانت جزءًا بنيويًا من تكوين هذا الكيان. من متصرفية جبل لبنان، المرتبطة عضويًا بـالدولة العثمانية، إلى إعلان “لبنان الكبير” تحت الانتداب الفرنسي، لم تتشكّل فكرة الوطن إلا تحت سقف رعاية خارجية، أو وصاية مقنّعة، أو توازن مفروض من الخارج.
لم يكن الكيان يومًا نتاج إرادة داخلية خالصة، بل نتيجة تقاطعات دولية أعادت رسم خرائط المشرق بعد اتفاقية سايكس بيكو، حيث تمّ تفكيك بلاد الشام إلى كيانات هشة، قائمة على توازنات طائفية وإثنية دقيقة، تُدار أكثر مما تُحكم. وهكذا، صار لبنان فكرة أكثر منه دولة، وصار السؤال عن السيادة سؤالًا مؤجلًا، أو ربما مؤجلًا إلى الأبد.
لبنان الذي طالب بالاستقلال، لم يتحرر فعليًا من منطق الوصاية. تغيّرت الأسماء: من العثماني إلى الفرنسي، ثم إلى توازنات عربية وإقليمية—سورية، مصرية، سعودية—لكن الجوهر بقي واحدًا: عجز داخلي عن إنتاج سيادة مكتملة. وكأنّ هذا البلد محكوم بأن يعيش دائمًا في ظل “راعٍ”، لا في ظل دولة.
الإشكالية، في جوهرها، ليست فقط سياسية، بل فكرية أيضًا. فكرة السيادة نفسها لم تترسّخ في الوعي الجمعي إلا في لحظات المواجهة الكبرى، خصوصًا في مواجهة إسرائيل، حيث بدا أنّ الخطر الخارجي يوحّد ما عجز الداخل عن توحيده. هناك فقط، ظهرت ملامح شعور وطني يتجاوز الطوائف، مستندًا إلى سردية أوسع: ضياع فلسطين، وتفكك العالم العربي، وانهيار فكرة العروبة كإطار جامع.
في أواخر عهد ميشال عون، عاد إلى الذاكرة قول سعيد تقي الدين:
«تشتدّ الهجرة في طلب الرزق بعد كل اضطراب، وأشدّ أنواع الهجرة في لبنان هي جموع الراكبين إلى العهد الجديد».
لكن ما نشهده اليوم ليس هجرة بالمعنى التقليدي، بل قفزًا جماعيًا انتهازيًا من مركب إلى آخر. سياسيون صَنَعهم النظام السوري، ترعرعوا في كنفه، ودافعوا عنه، ثم تخلّوا عنه بلا تردّد عند أول تحوّل في موازين القوى. لا مراجعة، لا نقد ذاتي، فقط تبديل مواقع.
اليوم، يتكرّر المشهد بوقاحة أكبر. من كانوا يُقدَّمون كحلفاء “المقاومة”، يُعاد تدويرهم بسرعة قياسية، ليجدوا لأنفسهم موقعًا في ظل توازنات جديدة، قد يُطلق عليها “العهد الأميركي–الإسرائيلي”. لا قناعات سقطت، لأن القناعات لم تكن موجودة أصلًا. ما يتغيّر فقط هو الراعي، وما يبقى ثابتًا هو السعي إلى السلطة.
تُستعاد عبارات نبيه بري عن “السين–سين”، لكن الحقيقة أكثر بساطة: نحن لا ننتقل من أزمة إلى حل، بل من وصاية إلى وصاية، ومن تبعية إلى أخرى، مع تغيير الأسماء والعناوين. السيادة، في هذا السياق، ليست إلا شعارًا يُستخدم عند الحاجة، ويُعلّق عند أول اختبار.
وإذا ما تمّ تفاهم جديد—سعودي إيراني أو غيره—لن يتأخّر هؤلاء لحظة في إعادة التموضع. سيقفزون إلى “السين–ألف” أو أي تسمية أخرى، ويعيدون كتابة تاريخهم، كما لو أنّهم لم يكونوا يومًا في الضفة المقابلة.
المشكلة، إذًا، ليست في العهود، ولا في التحالفات، ولا حتى في التوازنات الدولية. المشكلة في بنية سياسية مأزومة، وفي طبقة حاكمة لا تعرف من السياسة إلا فنّ البقاء. لا مشروع دولة، ولا رؤية سيادة، بل إدارة دائمة للأزمة، تحت أي وصاية متاحة.
في لبنان، لا تُسقِط الوصاية رجالها بل تغيّر أسماءهم فقط.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى