حدث في مثل هذا اليومذاكرة التاريخ

من ذاكرة التاريخ: محكمة النقض المصرية.. 95 عاماً من حراسة القانون وتربع قمة الهرم القضائي

في مثل هذا اليوم، الثاني من مايو، نستعيد صفحةً مضيئة من سجلات القضاء المصري العريق؛ ففي مثل هذا اليوم من عام 1931 ميلادية، أُرسيت دعائم العدالة الحديثة بإنشاء “محكمة النقض المصرية” بقرار ملكي من الملك فؤاد الأول. واليوم، ونحن بصدد استحضار هذه الذكرى، نقف أمام مؤسسة لم تكن مجرد مبنى شامخ في قلب القاهرة، بل كانت ولا تزال “حائط الصد” الأول عن صحيح القانون، والميزان الذي يضمن توحيد تطبيقه على الكافة بلا تمييز.

قصة المبنى والنشأة: دار القضاء العالي شاهدة على العصر

استقر مقر محكمة النقض داخل أيقونة المعمار القضائي “دار القضاء العالي” بوسط القاهرة، لتكون المحكمة الوحيدة من نوعها على مستوى البلاد. ومنذ تأسيسها في 2 مايو 1931، وهي تمثل قمة الهرم القضائي بجمهورية مصر العربية. وعلى مدار عقود، لم تكن مهمتها الفصل في النزاعات كأصل عام، بل مراقبة الأحكام الصادرة من المحاكم الأدنى لضمان اتفاقها مع روح القانون ونصوصه، محققةً بذلك مبدأ “وحدة القضاء”.

عبد العزيز باشا فهمي.. واضع حجر الزاوية وسر التسمية

لا يمكن ذكر محكمة النقض دون استحضار اسم العلم الشامخ عبد العزيز باشا فهمي، أول رئيس في تاريخها (1931 – 1936). ويروى أن الباشا، برؤيته الأدبية واللغوية الثاقبة، هو من اختار اسم “النقض” مستلهماً إياه من الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا…﴾ ولم يكتفِ بالتسمية، بل ابتدع مصطلحات قضائية أصبحت دستوراً للمشتغلين بالقانون، مثل تعبير “أوجه النفي” للدلالة على أسباب الطعن، واستحدث “نظرية القدر المتيقن” في القانون الجنائي، لتظل القاعة الأشهر بالمحكمة حاملةً لاسمه تخليداً لذكراه.

تطور الاختصاص: من “محكمة قانون” إلى “محكمة موضوع”

شهدت المحكمة تحولات جوهرية في اختصاصاتها لتواكب سرعة العدالة تعديل 2007 سمح للمحكمة بالفصل في النزاع كـ “محكمة موضوع” إذا عرض عليها للمرة الثانية، وتعديل 2017: أحدث ثورة إجرائية بجعل المحكمة تنظر الموضوع من المرة الأولى في حالات الطعن بالنقض، اختصاراً لأمد التقاضي وتحقيقاً للعدالة الناجزة.

نحو “مدينة العدالة”.. مستقبل النقض في العاصمة الإدارية

مع مرور السنين وتزايد أعداد الطعون، لم يعد مبنى دار القضاء العالي التاريخي مستوعباً لعدد الدوائر المتنامي. ورغم محاولات سابقة لإنشاء مقر في مدينة 6 أكتوبر، إلا أن الرؤية المستقبلية للدولة المصرية استقرت على نقل هذا الصرح إلى “مدينة العدالة” بالعاصمة الإدارية الجديدة. هذا المقر الجديد يهدف إلى إنهاء أزمة تكدس القضايا وتوفير بيئة عمل تكنولوجية تليق بقمة الهرم القضائي المصري في القرن الحادي والعشرين.

ستبقى محكمة النقض، سواء في مقرها التاريخي العتيق أو في رحاب العاصمة الإدارية، هي “حارسة القانون” التي لا تنام، والملاذ الأخير لكل باحث عن عدلٍ لا يميل، وقانونٍ لا يُنقض إلا بالحق.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى