
كان يسارياً وطنياً من بين أولئك الذين رفضوا النوم في قصور الاستراحة، شجاعاً مثل رياض الترك الشيوعي الوطني الذي سجنه حافظ الأسد 19 عاماً، لم يفعل كما فعل الكثيرون، أن يأكل ويحتسي وينام، أن لا يسمع وأن لا يرى وأن يضع اللجام.
يُعدّ ميشيل كيلو واحداً من أبرز الوجوه الفكرية والسياسية في المعارضة السورية الحديثة. وُلد في 7 يناير 1940 في اللاذقية. كان صحفياً وكاتباً ومترجماً، وواحداً من المثقفين الذين اختاروا الانحياز إلى الحرية في مواجهة السلطة.
انتمى في بداياته إلى الحزب الشيوعي السوري، ثم وجد نفسه يسبح عكس التيار، مع الوحدة ضد القومجية ومع الديمقراطية ضد الاستبداد ومع المجتمع المدني ضد السلطة المتوحشة، كان من أبرز المشاركين في “إعلان دمشق” عام 2006، الذي طالب بإصلاحات سياسية، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله والحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات.
كما شغل رئاسة مركز “حريات” للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة في عهدي حافظ الأسد ونجله، قبل أن يغادر سوريا ويستقر في فرنسا مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011.
نموذج المثقف اليساري الشجاع
لم يكن ميشيل كيلو سياسياً تقليدياً، بل كان نموذجاً للمثقف اليساري الشجاع الذي لم يفقد استقلاله. منذ بداياته، اختار أن يقف مع الديمقراطية بوصفها قيمة إنسانية، لا مجرد شعار سياسي، رافضاً الشعارات اللماعة والمصطلحات اليسارية الجاهزة والتصنيفات التي اعتبرت حكم الأسد حكماً تقدمياً مقاوماً.
في قراءته لما جرى في سوريا، لم يلجأ كيلو إلى التفسيرات السطحية، بل ذهب إلى عمق الأزمة، حيث رأى أن الانفجار لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكم طويل من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
تراجع دور القوى اليسارية بعد تحالفها مع السلطة المستبدة الفاسدة التي لم يكن همها سوى السلطة والتي فعلت كل شيء من أجل الحفاظ على السلطة ومنافعها، فلم تسمح حتى للحزب الشيوعي المتحالف معها رسمياً أن يكون له منبر إعلامي حر، ولم تسمح له بأي نشاط إعلامي أو نشاط جماهيري.
استخدمت أشد أشكال القمع مع المخالفين لسياستها، وبقيت تحكم البلاد بالأحكام العرفية وحرمت الناس من الأمل والحلم بأي فرصة للإصلاح الحقيقي.
الدولة حين تفقد صلتها بالمجتمع
اعتمد الأسد في حكمه المتوحش على دعم قادة الفروع الأمنية وقادة الجيش المهمين والذين اختارهم بعناية وأطلق يدهم للثراء عبر الفساد، فاشتد الفقر وفقد الناس الأمل بصلاح الحاكم وبطانته، كانت تلك عوامل دفعت المجتمع إلى حافة الانفجار.
لقد كانت الدولة، في نظره، قد فقدت صلتها بالمجتمع، وتحولت إلى جهاز مغلق، عاجز عن تقديم حلول سياسية، لأن السلطة الحاكمة وجدت أن الإصلاح سيكلفها أكثر من الحل الأمني والعسكري.
الأهم في تجربة كيلو هو إدراكه المبكر لطبيعة السلطة وآلياتها. فقد كشف أن ما حدث لم يكن مجرد رد فعل على الاحتجاجات، بل كان جزءاً من بنية أمنية مهيأة سلفاً للسيطرة.
كانت المعادلة واضحة وقاسية: إما بقاء النظام أو زوال الدولة. وهي معادلة تختزل ذهنية ترى في الوطن ملكية خاصة، وفي المجتمع كتلة يجب إخضاعها لا إشراكها.
ناقد للسلطة والمعارضة معاً
ورغم انخراطه في العمل السياسي، وعضويته في الائتلاف الوطني السوري ممثلاً للتيار الليبرالي، ظل كيلو ناقداً حتى داخل صفوف المعارضة، قبل أن ينسحب منها بسبب خلافات، مؤكداً أن الخلل لا يقتصر على السلطة وحدها، بل يمتد إلى بنية المعارضة حين تفقد بوصلتها الوطنية.
لقد كان يدرك أن التغيير لا يمكن أن يتحقق بمجرد إسقاط نظام، بل يحتاج إلى وعي عميق يعيد بناء الدولة على أسس جديدة.
في وصيته التي كتبها قبل رحيله، ترك ميشيل كيلو خلاصة تجربته السياسية والفكرية، داعياً السوريين إلى عدم الفصل بين مصالحهم الخاصة والمصلحة العامة، وإلى إدراك أن وحدتهم هي السبيل الوحيد للخلاص، محذراً من الانقسامات التي تجعلهم عرضة للتدخلات الخارجية.
لقد كان صوته، حتى في لحظاته الأخيرة، صوت عقلٍ يدعو إلى بناء الداخل قبل مواجهة الخارج.
أثر لا يمحوه الزمن
إن تجربة ميشيل كيلو تضعنا أمام صورة المثقف الذي لم يساوم على قناعاته، ولم يتحول إلى بوق لأي سلطة أو جهة، بل ظل وفياً لفكرة الحرية بوصفها جوهر السياسة وغايتها.
في عالم عربي أنهكته الشعارات الفارغة، يبدو كيلو تذكيراً نادراً بأن الكلمة يمكن أن تكون موقفاً، وأن المثقف، حين يختار طريقه الصعب، قد يخسر الكثير، لكنه يربح ذاته، ويترك أثراً لا يمحوه الزمن.







