ثقافة وفنونحدث في مثل هذا اليوم

من ملاعب الرياضة إلى عرش الشر الضاحك.. توفيق الدقن في “ذاكرة التاريخ”

يوافق اليوم الثالث من مايو الذكرى الثانية بعد المائة لميلاد “شرير السينما الظريف” وأحد عباقرة الأداء التمثيلي في العصر الذهبي، الفنان القدير توفيق الدقن (1924 – 1988).

ويمثل الدقن حالة فنية استثنائية؛ إذ استطاع ببراعة نادرة أن يمزج بين أدوار الشر وبين خفة الظل المصرية، ليخلق لنفسه مدرسة خاصة جعلت من “الشرير” شخصية يحبها الجمهور وينتظر إفيهاتها التي صارت جزءاً من القاموس الشعبي المصري.

الصدفة التي غيّرت مسار “الرياضي” إلى خشبة المسرح

لم يكن الفن هو الهدف الأول في حياة الشاب توفيق الدقن، الذي وُلد في محافظة المنوفية وعاش صباه محباً للرياضة ومتفوقاً فيها. لكن القدر رسم له طريقاً مختلفاً في مرحلة الثانوية؛ فبينما كان ينهي تمرينه في النادي، وقعت عيناه على الفنانة روحية خالد وهي تتناقش مع أعضاء النادي حول عرض مسرحي. وبمجرد رؤيته، أشارت إليه قائلة: «هذا الشاب هو من يصلح للدور».

لم تقف الصدفة عند هذا الحد، بل حدث أن أصيب بطل العرض ليلة الافتتاح، لتغامر روحية خالد وتدربه على الدور في وقت قياسي. وبمجرد صعوده على المسرح وسماعه تصفيق الجمهور، اهتز وجدانه وأدرك أن الكيان الإنساني للممثل هو شغفه الحقيقي، فقرر هجر الملاعب والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ليتخرج فيه عام 1950 مع جيل العمالقة.

“يا آه يا آه”.. عبقرية الإفيه وبناء الشخصية

لم يكتفِ توفيق الدقن بتقديم أدوار الشر التقليدية، بل كان يضيف لكل شخصية “لزِمة” وحركة وأسلوباً في النطق يخلدها في أذهان المشاهدين. من ينسى “الباز أفندي” في “ابن حميدو”، أو “عبده الدانص” في “أحبك يا حسن”؟ لقد كان الدقن يدرس أبعاد الشخصية النفسية قبل تمثيلها، مما جعل إفيهاته مثل «أحلى من الشرف مفيش» و «يا آه يا آه» و «خلاص يا نوسة.. الحنفية انقطعت» تعيش لعقود طويلة، متجاوزة حدود الزمن لتصبح “تريند” دائم في ذاكرة السينما.

سجل حافل: 450 فيلماً و120 مسرحية

رغم براعته السينمائية، إلا أن المسرح كان عشقه الأول، حيث قدم ما يقرب من 120 عملاً مسرحياً، من أبرزها “سكة السلامة”، “بداية ونهاية”، و”انتهى الدرس يا غبي” أمام الفنان محمد صبحي. أما في السينما، فقد كان رقماً قياسياً بمشاركته في أكثر من 450 فيلماً، تنوعت بين الدراما والكوميديا والأفلام الوطنية مثل “في بيتنا رجل”، ليثبت أنه ممثل قدير يستطيع تلوين أدائه حسب متطلبات الدور، سواء كان لصاً مطارداً أو موظفاً مطحوناً أو شريراً أرستقراطياً.

رحيل جسد وبقاء مدرسة

رحل توفيق الدقن عن عالمنا في عام 1988، لكنه ترك خلفه مدرسة في “الأداء المتفرد” لا تزال تُدرس حتى اليوم. واليوم، ونحن نحتفي بذكرى ميلاده، نتذكر الفنان الذي أثبت أن الدور الثاني قد يسرق الأضواء من البطولة المطلقة إذا امتزج بالموهبة الحقيقية والإخلاص، ليبقى “الشرير المحبوب” حاضراً في كل مرة تضحك فيها القلوب على قفشاته العبقرية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى