بابكر عيسىي أحمد يكتب: بابكر بدري … رجل بقامة وطن

كتارا اللؤلؤة الثقافية المتوهجة في قلب الدوحة استضافت يوم الثلاثاء ٢١-٤-٢٠٢٦ بمكتبة كتارا للرواية العربية مبنى رقم 48 جلسة نقاشية رائعة لمناقشة كتاب “تاريخ حياتي” للانسان المبدع والمؤرخ البارع “بابكر بدري” الذي يُعتبر باجماع اهل السودان “رائد تعليم المرأة” … واشرفت على تنظيم هذة الفعالية الباتعة “مجموعة النيل للقراءة” وهي مبادرة ثقافية تهدف إلى تعزيز ثقافة القراءة والحوار الفكري وتحويل القراءة من تجربة فردية إلى مساحة مجتمعية للنقاش وتبادل المعرفة.
اتيحت لي فرصة اعتبرها نادرة لمشاركة عدد من عمالقة الفكر في الحديث عن كتاب “حياتي لبابكر بدري” الذي اعتبره بلا مبالغة “رجل بقامة وطن” اعطى سنوات عمرة المديد (١٨٦١-١٩٥٤) في خدمة ابناء شعبه حيث كان اول من اسس مدرسة لتعليم المراة في مدينة “رفاعة” عام ١٩٠٧ متحدياً تقاليد زمنه التي كانت تمنع تعليم المراة في ذات الوقت الذي لم يكن فيه الاستعمار البريطاني يشاركه الحرص على تعليم المراة السودانية.
بدأت جلسة المناقشة المحضورة من قِبل كوكبة من المثقفين بترحيب وتعريف بمجموعة النيل للقراءة من الاستاذة ريم الصادق فيما قام المهندس خالد عيد بتقديم الكتاب والتعريف بالمؤلف … كان المتحدث الاول في الجلسة التي سعد بها الجميع الدكتور الصادق الهادي المهدي الذي تناول البعد التاريخي للكتاب … وكنت المتحدث الثاني عن البعد الانساني لبابكر بدري … فيما تناولت الاستاذة سكينة خوجلي تجربة الاحفاد والاثر المجتمعي … كانت مداخلة البروف احمد ابراهيم ابوشوك غنية وثرية اضاءت جوانب كثيرة … الى جانب مداخلة الدكتور الصديق عمر الصديق التي ربطت حقائق الماضي بتحديات المستقبل من خلال رؤية استشرافية … الى جانب مداخلة عبدالرحمن الخليفة التي قدمت رؤية نقدية للكتاب أضاءت عتمة الماضي.
عندما دعتني ابنتي المهندسة هبة عمر الفحيل للمشاركة في هذه الفعالية وضعت امامي “ثلاثية حياتي” التي تحكي تاريخ الشيخ الرائد بابكر بدري والتي تغطي تاريخ حياته ولمحات من تاريخ الحركة المهدية وتاريخ السودان وقد قام بتحقيق هذه المذكرات “الحفيد” د. بابكر علي بدري وقد استهل الرائد ما كتبه بقوله “اصدق التاريخ ما كُتب في زمانه وصدق فيه كاتبه وصدقه معاصروه فيما روى”.
كان الراحل المقيم استثنائياً في كل شيء وكان من القلائل في تاريخ السودان الذي كتب مذكراته بتلك الجرأة والشجاعة التي لم يسبقه عليها احد … وهو ينسب الى قبيلة الرباطاب وولد في احدى قرى الاقليم الشمالي وهاجر مع اهله الى مدينة رفاعة في السودان الاوسط … والده هو محمد بدري الصادق الطيب محمد الفكي ووالدته هي مدينة بنت محمد دياب صريرابي والتي كان لها التاثير الكبير في حياته فهي التي احتضنته صغيراً وعنيت بتربيته وكانت تختار خيرة الفقهاء ليتلقى عليهم دروسه … وعنيت بكل صغيرة وكبيرة تتصل به ولعله ورث عنها حساسيتها المرهفة التي كانت تغذيها في كل مناسبة وكان الفتى بابكر يفضي اليها بكل اسراره حتى تلك التي يخجل البعض عن ذكرها ويلوذ بها كل ما اشتدت عليه وطأة الحياة … وهي المجاهدة التي ذهبت معه عند مبايعة المهدي وقال عنها “انها كانت تلبس المبرقع وتهز بالحربة”دلالة على اقدامها وشجاعتها وقوة باسها.
عندما انزوى بريق الثورة المهدية وانكسرت رايتها بعد معركتي توشكي وكرري اختار بابكر بدري زاوية اخرى ليواصل منها جهاده فاختار التعليم ملجأ يعتصم به … كان يؤمن ان قومه بعد انحسار المهدية قد خسروا الجولة الاولى وان عليهم ان يستعدوا للجولة الثانية عن طريق اكتساب العلوم والمعرفة … كان يؤمن بان التعليم هو المقدمة لكل نهضة … كان الشيخ شجاعاً في عقيدته فلم يتردد في فتح مدرسه لتعليم البنات رغم كل ما واجه من صعاب.
هذا الرجل الذي عاش ٩٠ عاماً كان مختلفاً في كل شيء في الرأي وفي الرؤية وعندما يقرر شيئاً يسعى لتنفيذه رغم كل الصعاب … من ارادته قام صرح “مدارس الاحفاد” التي تبدأ من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الجامعية.
احفاد الشيخ بابكر بدري ورثوا عنه الذكاء والفطنة والدراية … هناك الدكاترة يوسف بدري (١٩٢٥-٢٠١٢) وعلي بدري (١٩٣٠-٢٠١٥) واسامة بدري (١٩٣٥-٢٠٢١) والقاضي منير بدري (١٩٤٠-٢٠٢٢) وعبدالمنعم بدري – اطال الله في عمره- … جميعهم درسوا في الجامعات البريطانية وجميعهم أكملوا مسيرة الجد في النهوض بتعليم المرأة والقضاء والادارة.
عندما فرغ الشيخ بابكر بدري من كتابة مذكراته دفع بها لابنه يوسف بدري قائلاً “تفضل خذها لانك لاحقتني في كتابتها وها قد انجزتها ولكني ارى ان تشكل لجنة من عبيد عبدالنور وابراهيم مالك والشيخ شبيكة … احذفوا منها ماترون وابقوا على ماترون” … كان راي الشيخ شبيكة “نحن نخرجه بمثل لغته لانه تاريخ وسياتي اخرون يحققونه ويعيدون صياغته”.
قال عنه الاديب المصري محمد فريد ابوحديد عام ١٩٥٩ ان بابكر بدري كان مختلفاً في كل شيء وسيرته تحوي تاريخ عصر كامل وهو عصر من اخطر ما مر على السودان -الحكم التركي والثورة المهدية والاستعمار البريطاني- … رحم الله الرائد بابكر بدري الذي كان بقامة وطن.







