ملفات وتقارير

تقارير عن خلل فني في سد النهضة تثير مخاوف مصرية وسودانية من فيضانات وضغوط سياسية

أثار حديث عن توقف عدد من توربينات سد النهضة الإثيوبي جدلًا واسعًا بشأن سلامة التشغيل ومخاطر التصريف المفاجئ للمياه مع اقتراب موسم فيضان النيل الأزرق، وسط تباين بين من يحذرون من أزمة فنية خطيرة، ومن يرون أن صور الأقمار الصناعية لا تؤكد تعطل السد بالكامل.
وتحدثت تقارير صحفية عن توقف نحو 13 توربينًا في سد النهضة منذ أسبوعين، إلى جانب توقف 3 توربينات سفلية سابقًا، ما أثار مخاوف في مصر والسودان من احتمالات حدوث فيضانات واسعة إذا اضطرت إثيوبيا إلى فتح بوابات التصريف بشكل مفاجئ خلال موسم الأمطار


وتأتي هذه المخاوف في ظل ارتفاع منسوب بحيرة السد إلى مستويات كبيرة، بالتزامن مع دخول موسم الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وهو ما يعيد إلى الواجهة الجدل القديم حول غياب اتفاق قانوني ملزم بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن قواعد الملء والتشغيل.
يرجح بعض الخبراء أن يكون توقف التوربينات مرتبطًا بمشكلات إنشائية أو فنية في التركيب، إضافة إلى عدم جاهزية شبكات نقل الكهرباء الإثيوبية لاستيعاب الأحمال المنتجة من السد، رغم الدعاية الإثيوبية المتكررة بشأن دور المشروع في توليد الكهرباء محليًا وتصديرها إلى دول الجوار.

صور الأقمار الصناعية تكشف تباينًا في التقديرات

في المقابل، قال أستاذ هندسة السدود في جامعة INTI-IU بماليزيا الدكتور محمد حافظ، إن الحديث عن توقف كامل لتوربينات سد النهضة يحتاج إلى تدقيق فني، مشيرًا إلى أن صور الأقمار الصناعية بتاريخ 29 أبريل 2026 تُظهر تشغيل 6 توربينات في الكتلة الغربية للسد وتصريف قرابة 160 مليون متر مكعب يوميًا.


وأوضح حافظ أن هناك خلطًا في بعض التغطيات الإعلامية بين مرحلتي «الملء» و«التشغيل»، معتبرًا أن منهجية متابعة السد خلال سنوات التخزين لم تعد كافية للحكم على وضعه الحالي بعد اكتمال مراحل الملء ودخول السد في مرحلة التشغيل.
وأشار إلى أن إثيوبيا لا تحتاج حاليًا للوصول سريعًا إلى منسوب 640 مترًا فوق سطح البحر كما حدث في العام الماضي، معتبرًا أن وجود سعة تخزينية فارغة تقارب 20 مليار متر مكعب يمنحها فنيًا قدرة على التصريف التدريجي دون اللجوء إلى فتح بوابات المفيض الجانبي بصورة مفاجئة.

مخاوف من تكرار فيضانات السودان

وتتركز المخاوف السودانية على احتمال تكرار سيناريو فيضان سبتمبر 2025، حين أدى فتح عدة بوابات في المفيض الجانبي للسد إلى تدفقات كبيرة باتجاه سد الروصيرص، ما تسبب في أضرار ومخاوف واسعة داخل السودان.


ويرى خبراء أن الخطر الأكبر لا يرتبط فقط بوجود عطل فني، بل بطريقة إدارة السد خلال موسم الفيضان، خاصة إذا جرى تقليل عدد التوربينات العاملة أو السعي للوصول السريع إلى المنسوب الأعلى للبحيرة ثم تصريف المياه عبر بوابات المفيض الجانبي.
وقال حافظ إن تكرار فيضان واسع «مستحيل فنيًا» إذا ظلت 13 توربينة قادرة على العمل، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن إحداث فيضان سياسيًا قد يصبح ممكنًا إذا خفضت إثيوبيا عدد التوربينات العاملة بشكل متعمد خلال الفترة من مايو إلى سبتمبر.

سد النهضة بين الخطر الفني والضغط السياسي

من جانبه، قال الباحث السوداني وائل علي إن وجود أخطاء فنية في السد كان متوقعًا، معتبرًا أن المشروع لم يخضع لدراسات فنية موثوقة بالقدر الكافي، وأن الدراسات القديمة كانت تتحدث عن مواصفات وقدرات أقل من السد الحالي.


وأضاف أن ملف سد النهضة لا ينفصل عن أبعاده السياسية، معتبرًا أن السد تحول إلى أداة ضغط على مصر والسودان، سواء عبر تهديد الأمن المائي المصري أو عبر مخاطر فيضانية محتملة يمكن أن تضاعف معاناة السودان في ظل الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل 2023.
ودعا علي الحكومتين المصرية والسودانية إلى إرسال فرق فنية للتحقق من حقيقة ما يثار بشأن الأعطال الفنية، ودراسة احتمالات الخطر على السودان ومصر، خاصة في ظل الحديث المتكرر عن مخاطر انهيار أو تصريف مفاجئ للمياه.

دراسات تحذر من مخاطر سد السرج

وتزامن الجدل الجديد مع تحذيرات بحثية سابقة بشأن سد السرج الملحق بسد النهضة، إذ أشارت دراسة منشورة في فبراير 2026 إلى رصد مناطق تسرب محتملة قرب السد، وهبوط في أرضية المنشأة يصل إلى نحو 40 مليمترًا، إضافة إلى تقديرات بتسرب كميات ضخمة من مياه الخزان إلى المياه الجوفية
وحذرت الدراسة من أن أي خلل كبير في سد السرج قد يؤدي إلى فيضانات عميقة تهدد مناطق واسعة في السودان ومصر، وهو ما يعزز المطالب المصرية والسودانية بضرورة وجود آلية مشتركة وشفافة لمراقبة السد وتشغيله.

خلاف مستمر منذ بدء البناء

ويعود الخلاف حول سد النهضة إلى أبريل 2011، حين أعلنت إثيوبيا بدء بناء السد على النيل الأزرق دون اتفاق مسبق مع دولتي المصب، قبل أن تتعثر المفاوضات لاحقًا رغم توقيع إعلان المبادئ في مارس 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا.


ورغم جولات تفاوض متعددة برعاية دولية، لم تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل، فيما أكملت إثيوبيا مراحل الملء بشكل منفرد، مؤكدة أن السد مشروع تنموي لتوليد الكهرباء، بينما تعتبره القاهرة والخرطوم تهديدًا مباشرًا لأمنهما المائي.
وتأتي هذه التطورات بينما تعاني مصر من تراجع نصيب الفرد من المياه إلى ما يقارب نصف حد الفقر المائي العالمي، ما يجعل أي اضطراب في إدارة مياه النيل الأزرق قضية أمن قومي بالنسبة للقاهرة، وقضية بقاء بالنسبة لملايين السودانيين القاطنين على مجرى النيل.


وبين التحذيرات الفنية والاتهامات السياسية والنفي غير المباشر عبر صور الأقمار الصناعية، يبقى سد النهضة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في شرق أفريقيا، في انتظار آلية شفافة تكشف حقيقة وضع التوربينات وتضمن تشغيل السد دون تعريض دول المصب لمخاطر مفاجئة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى