ملفات وتقارير

اليوم العالمي لحرية الصحافة.. الصحفيون المعتقلون في مصر والعالم يدفعون ثمن الكلمة

في الثالث من مايو من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لحرية الصحافة، باعتباره مناسبة دولية للتذكير بحق الصحفيين في العمل بحرية وأمان، وللتأكيد على أن الصحافة ليست رفاهية سياسية، بل ركيزة أساسية في حق الشعوب في المعرفة والمساءلة وكشف الحقيقة.
ويأتي هذا اليوم في ظل واقع شديد القسوة على الصحفيين في مناطق عديدة من العالم، حيث لم تعد الانتهاكات تقتصر على المنع أو الرقابة، بل امتدت إلى الحبس الاحتياطي المطوّل، والمحاكمات السياسية، وحجب المواقع، والملاحقات الأمنية، والتشهير، والمنع من السفر، والاستهداف الرقمي، وصولًا إلى القتل في مناطق النزاعات.
وتقول منظمة مراسلون بلا حدود إن مصر جاءت في المركز 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، بينما أكدت أن مصر لا تزال من بين أكبر الدول سجنًا للصحفيين، رغم الإفراج عن بعض الأسماء خلال عامي 2025 و2026.


مصر.. الصحافة بين القوانين الاستثنائية والحبس الاحتياطي
في الحالة المصرية، تبدو أزمة حرية الصحافة مرتبطة بعدة أسباب متداخلة، في مقدمتها التوسع في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب، وقانون الجرائم الإلكترونية، وقوانين النشر، إلى جانب استخدام اتهامات فضفاضة مثل “نشر أخبار كاذبة”، و“إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، و“الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين” أو الارتباط بها سياسيًا أو إعلاميًا.


وتشير منظمات حقوقية وصحفية دولية إلى أن هذه الاتهامات كثيرًا ما تُستخدم ضد صحفيين وكتاب ومدونين على خلفية عملهم الصحفي أو آرائهم السياسية أو منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بما يحول التعبير عن الرأي إلى ملف أمني.
وتؤكد مراسلون بلا حدود أن أغلب وسائل الإعلام في مصر تخضع بصورة مباشرة أو غير مباشرة لسيطرة الدولة أو الأجهزة الأمنية أو رجال أعمال مقربين من السلطة، كما تشير إلى حجب مواقع إعلامية مستقلة، بينها موقع “مدى مصر” المحجوب داخل البلاد منذ عام 2017.
المعتقلون خلف الأسوار.. قائمة طويلة من الصحفيين


بحسب الاتحاد الدولي للصحفيين، نقلًا عن نقابة الصحفيين المصريين، كان هناك 22 صحفيًا محتجزين في مصر حتى مايو 2025، معظمهم رهن الحبس الاحتياطي المطوّل، وبعضهم تجاوز المدة القانونية للحبس الاحتياطي بسنوات.
وتضم القائمة أسماء بارزة، بينها: كريم إبراهيم سيد أحمد، مصطفى أحمد عبد المحسن حسن الخطيب، أحمد محمد محمد علي السباعي، بدر بدر محمد بدر، محمود سعد كامل دياب، حمدي مختار علي المعروف باسم حمدي الزعيم، توفيق عبد الواحد إبراهيم غانم، محمد سعيد فهمي، محمد أبو المعاطي، دنيا سمير فتحي، مصطفى محمد سعد، عبد الله سمير محمد إبراهيم مبارك، مدحت رمضان علي برغوث، أحمد خالد محمد الطوخي، وأحمد أبو زيد الطنوبي.


كما تضم القائمة أسماء أخرى لم تتجاوز وقتها المدة القانونية للحبس الاحتياطي، منها: ياسر سيد أحمد أبو العلا، كريم أحمد محمد عمر المعروف باسم كريم الشاعر، رمضان جويدة شحاتة، خالد ممدوح محمد إبراهيم، وأشرف عمر محمد صدقي. وتشمل كذلك صحفيين صدرت بحقهم أحكام، من بينهم حسين علي أحمد كريم، ومحمد إبراهيم رضوان المعروف باسم “أكسجين”.


أشرف عمر.. كاريكاتير يتحول إلى قضية أمنية
من بين الحالات التي لاقت اهتمامًا واسعًا، قضية رسام الكاريكاتير أشرف عمر، العامل في منصة “المنصة”، والذي أوقف في يوليو 2024، ثم وُجهت إليه اتهامات بينها “الانضمام إلى جماعة إرهابية”، و“نشر أخبار كاذبة”، و“إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”.
وبناءً على طلبك التحريري، يمكن صياغة هذه الفقرة في التقرير المنشور بصيغة أوضح كالتالي: “وُجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، مع الإشارة إلى أن هذه هي التهم المتداولة في أوراق القضايا والبيانات الحقوقية وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا.
ودعت لجنة حماية الصحفيين، مع منظمات شريكة، السلطات المصرية إلى الإفراج عنه وإنهاء ملاحقته القضائية، مؤكدة أنه بقي قرابة 20 شهرًا في الحبس الاحتياطي.


أحمد دومة.. الكاتب الذي أعادته المقالات إلى التحقيق
وفي أبريل 2026، عاد اسم الكاتب والمعلق السياسي أحمد دومة إلى الواجهة بعد توقيفه عقب تحقيق استمر عدة ساعات أمام نيابة أمن الدولة العليا، على خلفية مقال ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقالت لجنة حماية الصحفيين إن دومة يواجه اتهامات بينها نشر أخبار كاذبة، ودعت السلطات المصرية إلى الإفراج عنه فورًا. كما قالت منظمة العفو الدولية إن القضية مرتبطة بتحقيقات على خلفية التعبير عن الرأي.
وتنظر منظمات حقوقية إلى قضية دومة باعتبارها نموذجًا لاستمرار ملاحقة الكتاب وأصحاب الرأي حتى بعد سنوات طويلة من السجن أو العفو أو الإفراج.


إسماعيل الإسكندراني وعبد الخالق فاروق.. الكلمة كملف أمني
في سبتمبر 2025، أعادت السلطات المصرية توقيف الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني، بعد سنوات من سجنه على خلفية عمله الصحفي، وذكرت لجنة حماية الصحفيين أنه اتُّهم مجددًا بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية. ويمكن تحريرها في النسخة النهائية بصيغة: “الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين”، إذا كان هذا هو الوصف الوارد في ملف القضية أو الخطاب الرسمي المصري.
وفي أكتوبر 2025، وثقت لجنة حماية الصحفيين الحكم على المعلق الاقتصادي عبد الخالق فاروق بالسجن خمس سنوات، في قضية مرتبطة بمقالات نقدية عن السياسات الاقتصادية المصرية، مع اتهامات شملت الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر معلومات كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.


لماذا يُعتقل الصحفيون؟
تتعدد الأسباب التي توردها الجهات الحقوقية في تفسير استمرار توقيف الصحفيين في مصر، ويمكن تلخيصها في عدة محاور رئيسية:
أولًا، استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة غير معلنة، حيث يبقى الصحفي رهن التحقيق لفترات طويلة دون صدور حكم نهائي، وقد تتجدد فترات الحبس بصورة متكررة.
ثانيًا، توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل النشر الصحفي والتعليق السياسي والتحليل الاقتصادي والمنشورات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.
ثالثًا، تجريم العمل الصحفي عبر تهم غير صحفية، مثل “نشر أخبار كاذبة”، أو “إساءة استخدام وسائل التواصل”، أو “الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين”.
رابعًا، السيطرة على المجال الإعلامي عبر ملكية وسائل الإعلام، وحجب المواقع، والتضييق على المنصات المستقلة، وفرض خطوط تحرير غير معلنة.
خامسًا، استهداف الصحفيين في المنفى أو عائلاتهم، سواء عبر الملاحقة الأمنية أو حملات التشويه أو الهجمات الرقمية، وهو ما وثقته لجنة حماية الصحفيين في وقائع استهداف إلكتروني لصحفيين مصريين ولبنانيين خلال 2026.


جهات حقوقية ودولية تتابع الملف
لا يقتصر ملف الصحفيين المعتقلين في مصر على بيانات فردية، بل تتابعه عدة جهات دولية ونقابية وحقوقية، من بينها لجنة حماية الصحفيين CPJ، ومراسلون بلا حدود RSF، والاتحاد الدولي للصحفيين IFJ، ومنظمة العفو الدولية، ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومنظمة Article 19، ومنظمات متخصصة في حرية التعبير والحقوق الرقمية.
وفي بيان مشترك نشره مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط، شاركت منظمات عديدة في إدانة موجة اعتقالات وملاحقات طالت صحفيين مصريين، ومن بين الجهات الموقعة: Article 19، ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ولجنة حماية الصحفيين، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، ومنتدى حقوق الإنسان المصري، وغيرها من منظمات حرية التعبير والعدالة.


غزة والسودان وسوريا.. الصحافة في مواجهة الرصاص والسجون
عالميًا، لا تبدو الصورة أفضل حالًا. ففي غزة، تحولت الصحافة إلى مهنة محفوفة بالموت، إذ تشير مراسلون بلا حدود إلى مقتل أكثر من 220 صحفيًا في القطاع منذ أكتوبر 2023، بينهم ما لا يقل عن 70 أثناء أداء عملهم الصحفي.
وفي الصين وميانمار وإيران والسعودية وسوريا ودول أخرى، تتكرر أنماط الاعتقال والتضييق، سواء عبر قوانين الأمن القومي، أو قوانين مكافحة الأخبار الكاذبة، أو المحاكمات السياسية، أو الإخفاء القسري، أو منع الصحفيين من الوصول إلى مناطق النزاع.
وتقول لجنة حماية الصحفيين إن عدد الصحفيين المسجونين حول العالم ظل فوق 300 صحفي للعام الخامس على التوالي، إذ وثقت وجود 330 صحفيًا مسجونًا في الأول من ديسمبر 2025.


حرية الصحافة ليست قضية الصحفيين وحدهم
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا تبدو القضية دفاعًا مهنيًا عن فئة محدودة، بل دفاعًا عن حق المجتمع كله في المعرفة. فحين يُعتقل الصحفي، لا تُسجن الكلمة وحدها، بل تُحجب المعلومة، ويتراجع الحق في الرقابة الشعبية، وتفقد المجتمعات جزءًا من قدرتها على فهم ما يجري حولها.
وتكشف أوضاع الصحفيين المعتقلين في مصر وغيرها أن المعركة الأساسية لا تزال تدور حول سؤال جوهري: هل يستطيع الصحفي أن يسأل، ويكتب، وينشر، ويوثق، دون أن يتحول عمله إلى تهمة، ودون أن تتحول الحقيقة إلى ملف أمني؟
وفي هذا اليوم، تبقى أسماء الصحفيين خلف الأسوار شاهدًا على أن حرية الصحافة لا تُقاس بعدد الصحف والمواقع فقط، بل بقدرة الصحفي على أداء عمله دون خوف، وبقدرة المجتمع على سماع الأصوات التي تحاول السلطة إسكاتها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى