مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: التحرش في المدارس المصرية أزمة تبحث عن حل

وقائع متصاعدة تدق ناقوس الخطر المجتمعي فلم يعد التحرش الجنسي داخل أسوار المدارس في مصر مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحول خلال العامين الأخيرين إلى ظاهرة متصاعدة تهدد سلامة الأطفال وتقوض الثقة في أحد أهم مفاصل التنشئة الاجتماعية.

فمنذ أواخر عام 2025، تتابعت الوقائع الصادمة من مدارس دولية وخاصة في القاهرة والإسكندرية، مخلفة صدمة عميقة في الشارع المصري وموجة غضب عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات ملحة عن جذور الأزمة وسبل احتوائها.

سلسلة وقائع تهز المجتمع


ففي نوفمبر 2025، انفجرت قضية مدرسة “سيدز” الدولية بمدينة العبور شرق القاهرة، حيث تعرض ستة تلاميذ في مرحلة رياض الأطفال (لا تتجاوز أعمارهم الخامسة) لاعتداءات جنسية ممنهجة على يد أربعة عاملين بالمدرسة، بينهم عامل نظافة وكهربائي وفرد أمن. وكشفت التحقيقات أن المتهمين استدرجوا الأطفال إلى غرفة بعيدة عن كاميرات المراقبة وهددوهم بالسلاح الأبيض، واستمرت الانتهاكات لما يزيد عن عام كامل قبل اكتشافها بالصدفة.

وقد اعترف اثنان من المتهمين بأن ما دفعهم لذلك هو “هوسهم الجنسي بالأطفال”.

لم تكن واقعة “سيدز” الأولى وللأسف لم تكن الأخيرة.

ففي مايو 2025، أدين مشرف مالي سبعيني بالتحرش بطفل داخل مدرسة أخرى، وصدر ضده حكم بالسجن المؤبد (25 عامًا) قبل أن يخفف إلى 10 سنوات في الاستئناف.

وفي الإسكندرية، أحالت محكمة الجنايات أوراق عامل بمدرسة خاصة إلى المفتي تمهيدًا لإصدار حكم بالإعدام، بعد إدانته بالاعتداء على أطفال. كما وثق تحليل لـ 71 واقعة اعتداء جنسي على أطفال داخل المدارس المصرية بين عامي 2020 و2025، كشف أن 96% من الوقائع تندرج تحت بند الاعتداء الجسدي.

وامتدت سلسلة الانتهاكات لتطول مؤسسات تعليمية مرموقة، حيث ألقت السلطات القبض على حارس أمن بمدارس النيل المصرية الدولية (NEIS) بعد اتهامه بالاعتداء على تلاميذ في مرحلة رياض الأطفال، مما دفع الوزارة لوضع إدارة المدارس تحت إشراف لجنة متخصصة.

وسبق ذلك واقعة مماثلة في إحدى المدارس بمدينة الخارجة جنوب غرب البلاد، حيث فتحت النيابة تحقيقًا مع معلم متهم بالتحرش بـ13 طالبة في مدرسة ابتدائية.

أرقام تكشف حجم الكارثة
في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة، تبقى الأرقام المتاحة من جهات حقوقية وحكومية مؤشرًا على حجم الأزمة.

فقد أعلن المجلس القومي للأمومة والطفولة عن ارتفاع بلاغات التحرش بالأطفال بنسبة 35% خلال العامين الماضيين. وتلقى الخط الساخن لنجدة الطفل ما يقدر بـ21 ألف بلاغ خلال عام 2024 وحده، تتعلق بمخاطر شملت العنف الجنسي والجسدي والإهمال، مع تأكيد المسؤولين أن العدد الفعلي للحالات أكبر بكثير، بسبب خوف الأسر من الوصمة الاجتماعية.

وبحسب منظمة اليونيسيف، فإن ما يقرب من 120 مليون طفل حول العالم تعرضوا لشكل من أشكال التحرش الجنسي.

استجابة رسمية بين الشد والجذب في مواجهة الغضب الشعبي المتصاعد، سارعت وزارة التربية والتعليم المصرية إلى إصدار حزمة إجراءات تنظيمية شملت إلزام المدارس الخاصة والدولية بتحديث أنظمة كاميرات المراقبة وتغطيتها لكل المساحات والفصول دون استثناء، وتكليف أكثر من موظف لمتابعة البث المباشر طوال اليوم الدراسي، والتحقق الدوري من هوية جميع العاملين، وإجراء تحاليل مخدرات إلزامية.

كما هدد الوزير بإغلاق أي مدرسة لا تلتزم بمعايير الأمان والسلامة ( أفلح إن صدق )، ووضع مدارس مثل “سيدز” و”الإسكندرية للغات” تحت الإشراف المالي والإداري المباشر للوزارة.

وفي خطوة لافتة، أصدر السيسي توجيهًا بإحالة قضية مدرسة “سيدز” إلى القضاء العسكري، وهو إجراء قوبل بترحيب واسع في وسائل الإعلام الحكومية باعتباره “رادعًا” لجرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال.

غير أن خبراء تربويين وحقوقيين يرون أن هذه الإجراءات، رغم وجاهتها، تأتي متأخرة وتظل غير كافية.

فتكرار الوقائع يعكس غياب الإجراءات الرادعة لتفادي مثل هذه الحوادث منذ الواقعة الأولى.

الإجراءات لم تُتخذ سوى بعد واقعة مدرسة سيدز، وكانت متأخرة وغير كافية، بدليل تفجر وقائع أخرى في مدرستين بعدها.

مبادرات مجتمعية تملأ الفراغ

في مواجهة هذا الواقع، برزت مبادرات أهلية ومدنية تسعى لملء الفراغ في مجال التوعية والوقاية. ففي مايو 2025، أطلقت مؤسسة “سيف إيجيبت” مبادرة “سيف للإسعافات الأولية” التي استهدفت في أولى فعالياتها تدريب ما يقرب من 200 معلم وأخصائي اجتماعي ونفسي على آليات التعامل مع حالات التحرش الجنسي بالأطفال والإبلاغ عنها، وتقديم الدعم النفسي الأولي للضحايا، وتجنب الأخطاء الشائعة في التعامل مع هذه الحالات.

كما أطلقت وزارة التربية والتعليم مبادرة “جسمي ملكي لا تلمسه” الموجهة لجميع طلاب المدارس، بهدف توعية الأطفال بحقوقهم الجسدية وتشجيعهم على التعبير عن آرائهم والتبليغ عن أي انتهاكات، بالإضافة إلى توعية أولياء الأمور.

وأعلنت الوزارة عن تحضيرها لحملة توعية وطنية شاملة تستهدف الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والموظفين الإداريين لمعالجة السلوكيات غير اللائقة والإيذاء النفسي والجسدي ضد الأطفال.

إطار قانوني يحتاج إلى تفعيل
فقانون العقوبات المصري على نصوص رادعة لجرائم التحرش بالأطفال، تعززت بتعديلات متلاحقة.

فالمادة 306 مكرر (ب) تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من يتحرش جنسيًا بالغير، وتشدد العقوبة إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات إذا كان الجاني من ذوي السلطة الوظيفية أو الدراسية على المجني عليه.

وبموجب تعديلات أحدث، تصل عقوبة التحرش بطفل إلى السجن 7 سنوات على الأقل، وتشدد إلى السجن المشدد من 10 إلى 15 سنة إذا كان المجني عليه لم يتجاوز 12 عامًا أو كان الجاني من العاملين بالمؤسسة التعليمية.

وفي جرائم هتك العرض، تتراوح العقوبة بين 7 و15 سنة سجنًا مشددًا، وترتفع إلى 20 سنة إذا كان عمر الطفل أقل من 7 سنوات، وقد تصل إلى الإعدام في حالات الاغتصاب إذا كان الجاني من ذوي السلطة داخل المؤسسة التعليمية.

إلا أن المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية بقدر ما تكمن في ثغرات التطبيق، وفي ثقافة الصمت والتكتم التي تحيط بهذه الجرائم داخل الأسر والمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى غياب آليات رقابية فعالة مسبقة تمنع تسلل المعتدين إلى سلك العاملين في المدارس.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن العديد من المدارس الخاصة والدولية تستخدم عمالة مؤقتة بأجور زهيدة دون تدقيق كافٍ في خلفياتهم الجنائية أو حالتهم النفسية.

إنها معركة متعددة الجبهات
لان ظاهرة التحرش في المدارس المصرية ليست مجرد جرائم فردية يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية مؤقتة، بل هي عرض لخلل مجتمعي أعمق يتطلب معالجة شاملة ومتكاملة.

فإلى جانب تشديد الرقابة وتفعيل العقوبات الرادعة، تبرز الحاجة الملحة لإدراج برامج توعية جنسية مناسبة للأعمار في المناهج الدراسية، وتأهيل المعلمين والأخصائيين النفسيين، وتوفير خطوط ساخنة آمنة وسرية للإبلاغ، ودعم الأسر لتجاوز ثقافة الخجل والوصم التي تحول دون كشف هذه الجرائم.

ويبقى الأمل معقودًا على تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والإعلام والمؤسسات التعليمية وأولياء الأمور لانتزاع حق الأطفال في بيئة تعليمية آمنة، فالمدرسة التي تفقد شرط الأمان تفقد معه كل معنى للتربية والتعليم.

وكما قال وزير التعليم في معرض تعليقه على الأزمة: “إن الحفاظ على كرامة وسلامة الأطفال هو الأساس لحماية مستقبل هذه الأمة”.فالأرقام كثيرة وما خفي أكثر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى