مقالات وآراء

د. حسام بدراوي يكتب : المتعة والواجب بين العقاد وأبيقور


“الطيش أن تعمل ما تشتهي
ثم تتمنى لو لم تفعلِ
والحزم أن تفعل ما ينبغي
ثم لا تحزن إن لم تنجحِ”

قرأت هذه الأبيات للعقاد وأعجبتني وفيها فلسفة وسياسة في نفس الوقت ، فأرسلتها لمجموعة من اصدقائي ، فجائتني تعليقات مختلفة اخترت منها رسالة من صديق حبيب فتحت بيننا حوارا حول الثقافات :

صديقي حسامً
“الطيش أن تعمل ما تشتهي
ثم تتمنى لو لم تفعلِ
والحزم أن تفعل ما ينبغي
ثم لا تحزن إن لم تنجحِ

مقولة فعلاً بديعة.

الغرابة أن في اللغة الفرنسية مثل معناها لكن عكسا لما جاء في مقولة العقاد
إذ تقول :
“من الأفضل أن يؤنبك ضميرك عن أن تندم لأنك لم تتمتع”
باختصار ” اتمتع واعمل ما تشتهيه”!
وهي في الواقع مدرسة فلسفية اغريقية أسسها أبيقور Epicure تقول أن المتعة هي هدف الحياة السعيدة .

تأملت القولين ، وتساءلت
عن جوهر الإنسان نفسه:
هل يعيش ليُرضي رغباته؟ أم ليُحقق ما يراه واجبًا؟
وهل السعادة تُولد من اللذة… أم من المعنى.
عباس محمود العقاد لم يكن شاعرًا يصف الحالة فقط، بل مفكرًا يضع قاعدة للحياة:
“الطيش أن تعمل ما تشتهي…
والحزم أن تفعل ما ينبغي…”
هنا نحن أمام فلسفة أخلاقية واضحة:
الإنسان ليس عبدًا لرغباته بل كائن قادر على ضبط نفسه وتوجيهها
والقيمة ليست في النجاح، بل في الالتزام بالفعل الصحيح.
وهذه الفكرة ليست معزولة، بل تنتمي إلى تيار فلسفي عريق يمكن أن نربطه بـ:الرواقية
• (Stoicism)
• وفلسفة الواجب عند إيمانويل كانط
حيث:
الفعل الصحيح له قيمة في ذاته… لا في نتيجته.
أما الفيلسوف أبيقور فيمكنً اختصار فلسفته في فكرة:
“استمتع وافعل ما تشتهي”
لكن الحقيقة أعمق بكثير.
فماذا قال إبيقور فعلاً؟
السعادة هي في غياب الألم (Aponia) + وهدوء النفس (Ataraxia)
وبعض الرغبات يجب كبحها لأنها تؤدي لألم أكبر.
بمعنى آخر:
ليس كل ما نشتهيه يستحق أن نفعله
وهنا المفاجأة:
إبيقور أقرب للعقاد مما يبدو!
لكن الاختلاف:
العقاد يبدأ من الواجب
و إبيقور يبدأ من الراحة النفسية.

لماذا اختلفت الثقافات؟
الاختلاف ليس عشوائيًا… بل نتاج بيئة وتجربة حضارية.
الثقافة اليونانية نشأت في بيئة تسمح بالتأمل الفردي.
لم تكن مركزية حول “الواجب”
لذلك سألت: كيف أعيش سعيدًا؟
الثقافة العربية/الدينية أكثر ارتباطًا بفكرة المسؤولية والواجب.
الإنسان فيها “مكلّف” ،
لذلك السؤال يصبح: ماذا يجب أن أفعل؟
قول العقاد يمثل مدرسة فكرية
و يمكننا أن نضعه في تقاطع ثلاث مدارس:
الرواقية: ضبط النفس وقبول النتائج،
الأخلاق الكانطية: الواجب قبل الرغبة،
التصوف الأخلاقي: تهذيب النفس لا إطلاقها.
بصياغة بسيطة:
العقاد ينتمي إلى فلسفة “المعنى قبل اللذة”
المفارقة الجميلة أن الثقافةً الفرنسية تطرحها كاختيار حاد،
إمّا أن تستمتع أو أن تلتزم.
“بين العقاد وإبيقور لا يقف الإنسان حائرًا، بل يقف متوازنًا.
فالحياة ليست امتحانًا للحرمان، ولا مهرجانًا للاندفاع،
بل رحلة وعي…
نتعلم فيها أن بعض ما نشتهيه لا يستحق، وأن بعض ما ينبغي فعله… هو طريق نختاره لتحقيق سلامنا الداخلي.”

ثقافات مختلفة نبعت من تجارب مختلفة
فأي المقولتين يُعبر عنك ايها القارئ؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى