إعلام سوريا يكسر المحرمات: تحقيقات الفساد تلاحق أقارب المسؤولين في دمشق

تتصاعد وتيرة الانفتاح الإعلامي داخل الأراضي السورية بشكل غير مسبوق بعد زوال الحقبة الماضية التي صبغت البلاد بصفة “مملكة الصمت” لعقود طويلة. وأظهرت التقارير الدولية الحديثة قفزة نوعية في تصنيف الحريات حيث تقدمت البلاد 36 مركزاً دفعة واحدة لتستقر في المرتبة 141 عالمياً بعد أن تذيلت القائمة لسنوات في المركز 177. ويعكس هذا التحول رغبة حقيقية في بناء بيئة إعلامية قادرة على كسر القيود التي فرضها نظام عائلة الأسد منذ عام 2011 والتي تسببت في مقتل مئات العاملين في الحقل الإخباري.
إرث الانتهاكات يطارد الذاكرة الصحفية
سجلت الجهات التوثيقية ما يقارب 1546 انتهاكاً جسيماً ضد الكوادر الإعلامية منذ انطلاق الأحداث في مارس 2011 وحتى نهاية عام 2024. وتكشف الأرقام الموثقة عن سقوط 478 ضحية من الصحفيين حيث يتحمل النظام السوري السابق المسؤولية عن قتل 327 منهم فيما تسبب تنظيم داعش في مقتل 62 آخرين. وتؤكد هذه الإحصائيات حجم المخاطر التي كانت تتهدد العمل الصحفي وتدفع المهنيين للاختفاء أو الصمت التام لضمان سلامتهم الشخصية بعيداً عن أقبية الأجهزة الأمنية التي كانت تسيطر على مفاصل الحياة العامة.
ملامح التأسيس لسلطة رابعة حقيقية
تخطو الإدارة الجديدة خطوات واسعة نحو مأسسة العمل الإعلامي حيث تم منح تراخيص لنحو 470 مؤسسة إعلامية متنوعة في فترة زمنية وجيزة. وتجاوز هذا الرقم إجمالي ما تم ترخيصه طوال 40 عاماً من حكم عائلة الأسد مما يفتح الباب أمام تعددية فكرية وسياسية واسعة. وشهدت البلاد دخول أكثر من 3000 صحفي أجنبي واعتماد 30 وكالة دولية افتتحت مكاتبها الرسمية لتقديم تغطيات ميدانية حرة بعيداً عن الرقابة العسكرية المباشرة التي كانت تفرضها المنظومة الأمنية البائدة على كل شاردة وواردة.
تستمر المحاولات الحثيثة لترسيخ مفهوم الإعلام الوطني كجسر تواصل حقيقي بين المواطنين والسلطة التنفيذية من خلال صحف رسمية مثل “الثورة السورية”. وبدأت هذه الوسائل في نشر تحقيقات جريئة تتناول قضايا الفساد وتعيين الأقارب داخل المؤسسات الحكومية بما في ذلك انتقاد تعيين شقيق الرئيس أحمد الشرع أو أقارب وزراء حاليين مثل ابن الوزير محمد أبو الخير شكري. وتؤكد هذه التوجهات أن العمل الصحفي بدأ يتجاوز مرحلة “البروباغندا” التقليدية لينتقل إلى مرحلة النقد البناء ومراقبة أداء الجهاز الإداري والخدمي في محافظات البلاد المختلفة.
تتجه الأنظار حالياً نحو إصدار تشريعات وقوانين تضمن حق الوصول إلى المعلومات لضمان استدامة هذه الحريات وعدم تراجعها مستقبلاً. ويرى المتخصصون أن وجود 11 انتهاكاً في الربع الأول من عام 2026 يستوجب بناء منظومة قانونية تحمي الصحفيين من الضغوط الميدانية خصوصاً في ملفات النفوذ العسكري. ويظل الهدف الأساسي هو تحويل الحريات من مجرد هامش مؤقت إلى حق دستوري أصيل يمنع احتكار الصوت الواحد ويؤسس لثقافة وطنية لا تقبل المساومة على حق التعبير عن الرأي.







