شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: الموازنة… أرقام تحصي الديون أم حياة تقاس بالعدل؟

عشت عشر سنوات فاعلا ومشاركا في صناعة الموازنة المصرية من داخل لجنة الخطة والموازنة في البرلمان المصري، حيث تفكك الأرقام لا باعتبارها جداول محاسبية، بل باعتبارها تعبيرا مكثفا عن فلسفة الحكم، هناك تعلمت أن الموازنة ليست مجرد أداة لتوزيع الموارد، بل معيارا لقياس العدالة، واختبارا حقيقيا لصدق الدولة في انحيازها لمواطنيها، ومن تلك الخبرة الممتدة بين 1995 و2005، أقرأ اليوم موازنة 2025–2026، لا بعين المتابع، بل بعين من شارك في صناعة قواعدها ورأى كيف تنحرف… وكيف يمكن أن تستقيم.

خبرة تلك السنوات كشفت أن الموازنة الجيدة لا تقاس بحجمها، بل ببنيتها: هل تدار وفق مبدأ وحدة الموازنة أم تتشظى عبر صناديق خاصة تضعف الرقابة؟ هل تتسم بالشفافية أم تختبئ أرقامها خلف أبواب مغلقة؟ هل تنحاز للإنسان أم تعيد إنتاج اختلالات السوق؟ تلك الأسئلة كانت حاضرة في كل مناقشة، وكانت الفوارق واضحة بين موازنات نهاية التسعينيات وبداية الألفية، حيث رغم محدودية الموارد، ظل هامش الإنفاق الاجتماعي أكثر حضورا، وكانت خدمة الدين أقل هيمنة على القرار المالي.

مقارنة بتلك المرحلة، تكشف الموازنة الحالية عن تحول جوهري في فلسفة الإنفاق العام، خدمة الدين لم تعد بندا ضمن بنود، بل أصبحت الإطار الذي تصاغ داخله بقية البنود، نسبة كبيرة من الموارد توجه لسداد فوائد وأقساط، ما يضغط تلقائيا على مخصصات الصحة والتعليم والدعم، الفارق ليس فقط في الأرقام، بل في ترتيب الأولويات: آنذاك كان السؤال كيف ندير العجز، أما اليوم فالسؤال كيف نمول الدين.

أرقام الموازنة الأخيرة تظهر بوضوح أن فوائد الدين وحدها تلتهم نسبة ضخمة من الإيرادات الضريبية، وهو ما لم يكن بهذا الحجم في سنوات عملي البرلماني، آنذاك، كانت مساحة الحركة متاحة نسبيا لإعادة توزيع الموارد، وكانت أدوات البرلمان – رغم القيود – قادرة على التأثير الجزئي، أما اليوم، فإن ثقل الدين يحد من أي محاولة لإعادة التوازن، ويجعل الموازنة أقرب إلى التزام مالي مسبق منها إلى رؤية اقتصادية اختيارية.

التحول الأخطر لا يكمن فقط في تضخم الدين، بل في تراجع الدور الاجتماعي للموازنة، خلال تلك السنوات، كان النقاش حول الدعم، والصحة، والتعليم، نقاشا حول الأولويات، أما اليوم فقد أصبح نقاشا حول ما يتبقى بعد سداد الالتزامات، هنا تنتقل الموازنة من كونها أداة لتحقيق العدالة، إلى أداة لإدارة الندرة،

صافي الاحتياطيات الأجنبية الذي بلغ مستويات مرتفعة مع مطلع 2026 يقدم كدليل على الاستقرار، لكن القراءة الأعمق تظهر أن هذا الاستقرار قائم على توازن هش بين التدفقات الخارجية والالتزامات المتزايدة، الاحتياطي مهم، لكنه لا يعوض غياب إنتاج حقيقي قادر على توليد قيمة مضافة مستدامة.

الاقتصاد القوي لا يقاس فقط بقدرته على السداد، بل بقدرته على التوليد، خلال سنوات وجودي في البرلمان، كان واضحا أن كل جنيه ينفق على التعليم أو الصحة ينتج أثرا مضاعفا على المدى الطويل، أما اليوم، فإن جزءا كبيرا من الإنفاق يذهب لإطفاء حرائق آنية، دون استثمار كاف في المستقبل.

فلسفة الموازنة المنحازة للفقراء لا تبدأ بزيادة بند الدعم فقط، بل بإعادة هيكلة شاملة: توجيه الإنفاق نحو الخدمات الأساسية، إصلاح النظام الضريبي ليكون أكثر عدالة، تقليص الهدر، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي، هذه ليست شعارات، بل قواعد حكمت تجارب دول نجحت في تحويل موازناتها من عبء إلى رافعة تنموية.

من واقع تلك الخبرة، يمكن صياغة مجموعة من التوصيات العملية: أولها، ضرورة استعادة مبدأ وحدة الموازنة وإخضاع كل الصناديق الخاصة للرقابة البرلمانية، ثانيها، وضع سقف قانوني لنسبة خدمة الدين من الإنفاق العام، بما يضمن عدم ابتلاعها لبقية البنود، ثالثها، إعادة توجيه الدعم ليصل مباشرة إلى مستحقيه، مع ربطه ببرامج تنموية حقيقية.

البرلمان مدعو اليوم لاستعادة دوره الرقابي والتشريعي، لا بوصفه جهة اعتماد، بل بوصفه شريكا في صياغة السياسة المالية، مراجعة الحسابات الختامية يجب أن تتحول من إجراء شكلي إلى أداة مساءلة حقيقية، تكشف أوجه القصور وتمنع تكرارها.

الحكومة بدورها مطالبة بتبني رؤية اقتصادية تتجاوز إدارة الأزمة، إلى بناء اقتصاد إنتاجي، ذلك يبدأ بدعم الصناعة والزراعة، وتوسيع القاعدة الضريبية دون إرهاق الفئات الأضعف، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.

الموازنة ليست وثيقة تقنية، بل عقد اجتماعي يترجم علاقة الدولة بالمجتمع، كل رقم فيها يحمل معنى، وكل بند يعكس انحيازا، العدالة لا تعلن في الخطب، بل تكتب في بنود الموازنة.

الأرقام لا تكذب… لكنها قد تخفي الحقيقة إن لم تقرأ في سياقها، والحقيقة هنا واضحة: لا يمكن بناء مستقبل مستقر فوق مديونية متصاعدة، ولا يمكن تحقيق العدالة دون إعادة ترتيب الأولويات.

الخبرة تعلم أن الإصلاح ممكن، لكنه يحتاج إرادة، والموازنة العادلة ليست حلما، بل نتيجة لقرار سياسي واع يضع الإنسان في قلب المعادلة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى