
كانت مصر، رغم كل ما فيها من تعب، تعرف كيف تضحك.
كانت فقيرة أحيانا، قاسية أحيانا، مزدحمة ومتعبة ومليئة بالهموم، لكنها كانت حية. كان فيها شيء دافئ لا تملكه البلاد الغنية، شيء يشبه حضن أم لا تطعمك كثيرا، لكنها إذا ضمتك أنستك جوعك.
كان المغترب يعود إليها كمن يعود إلى قلبه.
يهبط في مطارها فيشعر أن الهواء، رغم غباره، يعرفه.
أن الشوارع، رغم زحامها، تناديه.
أن الوجوه، رغم تعبها، تشبهه.
أن الضحكة الخارجة من مقهى، أو نداء بائع في شارع ضيق، أو صوت قرآن من شباك قديم، كلها تقول له: أنت هنا لست غريبا.
ثم جاء زمن ثقيل، لا يشبه الأزمنة.
جاء زمن لم يكتف بأن يأخذ من الناس خبزهم، بل أخذ منهم قدرتهم على الفرح.
لم يكتف بأن يضيق عليهم الطرق، بل ضيق عليهم الصدور.
لم يكتف بأن يكسر الأبواب، بل كسر الطمأنينة التي كانت خلف الأبواب.
تحولت مصر، شيئا فشيئا، من بلد يضحك رغم الحزن، إلى بلد يخاف حتى من الضحك.
صار الناس يمشون وكأن فوق أكتافهم جنازات لا يراها أحد.
صار الكلام جريمة محتملة، والصمت وسيلة نجاة، والنظرة المرتبكة اعترافا لم يقله صاحبها.
اختفت وجوه شابة كانت تشبه الصباح.
شباب كانوا يحلمون ببيت صغير، بعمل كريم، بحياة عادية، بمستقبل لا يطلبون منه المعجزات.
فإذا بهم يتحولون إلى صور على الجدران، وأسماء في الذاكرة، ودموع مخنوقة في بيوت لا تعرف هل تنتظر عودتهم أم تقيم عزاءهم.
كم أم نامت وهي تضم قميص ابنها بدل جسده.
كم أب كبر في ليلة واحدة، وانحنى ظهره لا من العمر، بل من العجز.
كم أخت توقفت عند صوت الباب، ظنا أن الغائب عاد.
كم بيت صار فيه كرسي فارغ لا يجرؤ أحد على تحريكه.
لم تعد المأساة في من رحلوا فقط، بل في من بقوا.
في الذين يعيشون بنصف روح.
في الذين يتنفسون، لكنهم لا يشعرون بالحياة.
في الذين يبتسمون أمام الناس، ثم يعودون إلى غرفهم كأنهم يسقطون في بئر بلا قاع.
صارت مصر رمادية.
السماء رمادية.
الشوارع رمادية.
البيوت رمادية.
حتى الضحكات حين تخرج، تخرج مكسورة، قصيرة، خائفة، كأنها تعتذر عن وجودها.
الأشجار التي كانت تظلل الأرصفة بدت كأنها تنحني حزنا.
النيل الذي كان شاهدا على الحكايات صار صامتا كشيخ موجوع.
الأحياء القديمة فقدت دفئها.
والمدن الجديدة اتسعت حجارتها وضاقت أرواحها.
باعوا كل ما كان يربط الناس بالأمل.
باعوا الأرض، وباعوا المعنى، وباعوا الذاكرة.
صار الوطن شيئا يذكر في الأغاني، لا شيئا يطمئن إليه القلب.
وصارت مصر التي كنا نعود إليها من الغربة، غربة أكبر من الغربة نفسها.
أقسى ما حدث أن الحزن لم يعد حادثة عابرة.
صار مناخا عاما.
صار طريقة عيش.
صار صوتا داخليا يقول للإنسان كل صباح: لا تنتظر كثيرا.
لم تعد مصر التي عرفناها موجودة كما كانت.
بقي الاسم، وبقيت الخريطة، وبقيت الصور القديمة، لكن الروح التي كانت تجعل كل هذا وطنا أصابها نزيف طويل.
والآن، حين نفكر في العودة، لا نسأل: متى نرجع؟
بل نسأل: إلى ماذا نرجع؟
إلى شوارع تعرفنا ولا تطمئننا؟
إلى بيوت امتلأت بالخوف؟
إلى وطن صار حبه وجعا، وذكره غصة، والحنين إليه عقوبة يومية؟
كانت مصر وطنا نحمله في القلب.
ثم أصبحت جرحا نحمله في القلب.
وما أبشع أن يموت الوطن داخلك، لا لأنه اختفى من الخريطة،
بل لأنه لم يعد يشبه نفسه.







