شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: ليبيا.. القبلية.. وسلطة بلا دولة


تتقاطع لحظة الكتابة مع تطورات متسارعة في المشهد الليبي؛ عودة التوتر حول توزيع عائدات النفط، تجدد الصراع على النفوذ داخل الشرق، محاولات إعادة ضبط السيطرة في الجنوب، وتعثر جديد في مسار الانتخابات المؤجلة. هذه ليست أحداثًا عابرة، بل إشارات متراكمة تؤكد أن السؤال الجوهري ما زال معلقًا: من يحكم ليبيا… وبأي شرعية؟
ليبيا لا تعيش أزمة سياسية تقليدية، بل حالة تفكك ممتد لمعنى الدولة. ما جرى منذ 2011 لم يكن مجرد تغيير نظام، بل انهيار مركز السلطة، وانفتاح المجال أمام قوى متعددة لإعادة تعريف الحكم وفق موازين جديدة، تتداخل فيها القبيلة مع السلاح، والاقتصاد مع النفوذ.
القبيلة لم تعد كما كانت، ولم تختفِ كما ظن البعض، بل أعادت تشكيل نفسها داخل هذا الفراغ. لم تعد وحدة صلبة تتخذ قرارًا جماعيًا، بل شبكة علاقات مرنة، تتحرك وفق المصالح، وتتشكل عبر التحالف مع القوى الأكثر تأثيرًا على الأرض.
شرق ليبيا يقدم نموذجًا واضحًا لإعادة توظيف القبيلة داخل مشروع عسكري مركزي. منذ سنوات، جرى احتواء القبائل وتحويلها إلى أدوات تمنح الشرعية الاجتماعية وتؤمّن الحشد، بينما القرار الحقيقي يُصنع داخل بنية عسكرية مغلقة. ومع التطورات الأخيرة، خاصة إعادة ترتيب القيادات المحلية، يتجه هذا النموذج إلى مزيد من المركزية، على حساب أي دور اجتماعي مستقل.
هذا المسار لا يبني دولة، بل يعيد إنتاج نموذج سلطوي، يُدار عبر الولاءات الفردية لا المؤسسات، ويُغلف السيطرة بالقوة بخطاب الاستقرار. وهو استقرار هش، لأنه لا يقوم على عقد اجتماعي، بل على ميزان قوة قابل للاختلال في أي لحظة.
جنوب ليبيا يكشف وجهًا آخر؛ حيث أدى الغياب شبه الكامل للدولة إلى تحوّل القبائل إلى فاعل أمني واقتصادي مباشر. السيطرة على الطرق الحدودية وشبكات التهريب، وإدارة النزاعات المحلية، منحت هذه القبائل نفوذًا واسعًا، لكنه نفوذ بلا إطار وطني، وبلا مؤسسات تضبطه.
هذا الواقع خلق ما يمكن وصفه بسلطة وظيفية؛ تؤدي مهام الدولة دون أن تكون دولة. تحكم لكنها لا توحّد، تسيطر لكنها لا تبني، وتبقى أسيرة توازنات السلاح والموارد.
وسط البلاد، وخاصة سرت، يقدم نموذجًا ثالثًا أكثر هشاشة. القبيلة هناك بقيت إطارًا اجتماعيًا، لكنها لم تتحول إلى قوة سياسية قادرة على فرض نفسها. تعاقبت عليها قوى متعددة، من تنظيمات متطرفة إلى جيوش منظمة، فبقيت في موقع المتلقي، لا صانع القرار.
العامل الحاسم في كل هذه التحولات لم يكن الانتماء القبلي وحده، بل الاقتصاد. السيطرة على الموانئ، وحقول النفط، والمنافذ الحدودية، أعادت رسم خريطة النفوذ. من يملك الموارد، يملك القدرة على إعادة تشكيل الولاءات، بما في ذلك الولاء القبلي.
في هذا السياق، تحولت القبيلة من رابطة تضامن إلى أداة تفاوض، تُستخدم للحصول على موقع داخل السلطة أو نصيب من الثروة. لم تعد مصدر القرار، بل جزءًا من معادلة تُدار خارجها.
النتيجة التي تبلورت هي نموذج حكم هجين؛ تتقاسم فيه السلطة قوى متعددة: عسكر، تشكيلات مسلحة، شبكات اقتصادية، ومكونات اجتماعية. لا دولة مكتملة، ولا فوضى شاملة، بل توازن هش يُدار بالأزمات.
الأخطر أن هذا النموذج لم ينشأ داخليًا فقط، بل حظي بدعم إقليمي واضح، سعى إلى ترجيح كفة الحل العسكري على حساب المسار المدني. هذا الدعم، الذي جاء تحت لافتة الاستقرار، ساهم في تعميق الانقسام، وإطالة أمد الصراع، ومنع تشكل مسار سياسي متوازن.
موقفنا واضح: لا استقرار حقيقي تحت الحكم العسكري، ولا دولة تُبنى بفرض الأمر الواقع. كل مشروع يقوم على القوة وحدها، يحمل في داخله بذور فشله، مهما بدا متماسكًا في لحظة ما.
التطورات الأخيرة، سواء في إعادة توزيع النفوذ داخل الشرق، أو في محاولات التمدد جنوبًا، أو في تعثر المسار الانتخابي، تؤكد أن الرهان على الحسم العسكري لم ينجح. لم تُحسم المعركة، ولم تُبنَ الدولة، وبقيت ليبيا معلقة بين مشروعين لا يكتملان.
انحيازنا ليس حيادًا بين الأطراف، بل موقف لصالح فكرة الدولة المدنية. مع القوى التي لا تزال تؤمن بشرعية الصندوق، وبحق الليبيين في اختيار من يحكمهم، وبضرورة إخضاع السلاح لسلطة القانون. هذه القوى، رغم ضعفها، تظل الأمل الوحيد في كسر هذه الدائرة.
البديل العسكري، مهما امتلك من دعم، يظل عاجزًا عن إنتاج شرعية مستدامة، لأنه لا يعالج جذور الأزمة، بل يعيد ترتيبها.
استعادة ليبيا لا تعني إلغاء القبيلة، بل إعادة وضعها في سياقها الطبيعي كمكوّن اجتماعي، لا كبديل للدولة. الدولة وحدها، إذا قامت على أسس عادلة، قادرة على استيعاب الجميع دون تفكيكهم.
التجربة الليبية تقول بوضوح: حين تغيب الدولة، لا يعود المجتمع إلى ماضيه، بل يدخل في مرحلة إعادة تشكيل، تنتج أنماطًا معقدة من السلطة، يصعب تفكيكها لاحقًا.
المستقبل سيظل رهينًا بمعادلة واحدة: إما مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس مدنية، أو استمرار هذا النموذج، حيث تتقاسم القبيلة والسلاح والمال سلطة بلا دولة، ووطنًا بلا استقرار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى