التصوف والسلطة في مصر بعد 3 يوليو.. حضور اجتماعي في خدمة التوظيف السياسي وترسيخ الاستبداد

·
قراءة تحليلية لتوظيف التصوف في إعادة تشكيل الوعي وتكريس الاستبداد بعد 2013
تعالج هذه الدراسة تحولات العلاقة بين التصوف والسلطة في مصر بعد 3 يوليو، في سياق إعادة تشكيل المجال الديني وإخضاعه لتوجهات الحكم. فقد اتجهت الدولة إلى إحكام السيطرة على الفضاء العام، وتقليص الفاعلين المستقلين، مع إبراز أنماط دينية تميل إلى تجنب الاحتجاج والابتعاد عن الاشتباك السياسي. وفي هذا الإطار، برز التصوف بوصفه مكونًا اجتماعيًا واسع الانتشار يمكن الاستفادة منه في دعم خطاب الاستقرار، والحد من النزعات الاحتجاجية.
توضح الدراسة أن توظيف الحضور الصوفي تم عبر مسارين متكاملين؛ أحدهما مباشر من خلال دعم رموزه وإبرازهم في المجالين الرسمي والإعلامي، والآخر غير مباشر عبر خطاب ديني يعيد تفسير مفاهيم الصبر والرضا بصورة تميل إلى القبول وتجنب الاعتراض. وقد أسهم ذلك في إعادة تشكيل المزاج العام، وتقليل قابلية قطاعات من المجتمع للانخراط في الفعل الجماعي.
كما تشير إلى أن هذا التوظيف جاء ضمن منظومة أوسع تشمل أدوات أمنية وإعلامية، ما جعله عنصرًا مساعدًا في إدارة المجال العام، لا أداة حاسمة فيه. وفي المحصلة، ساهم الحضور الصوفي في تخفيف حدة الاعتراض وإعادة توجيه الوعي، لكنه ظل محكومًا بطبيعته الاجتماعية التي تحد من قدرته على التحول إلى قوة سياسية منظمة.
(1) المدخل
شهدت مصر بعد 3 يوليو تحولات عميقة في طريقة إدارة المجال الديني، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على تحقيق قدر من التوازن بين التيارات المختلفة، بل اتجه إلى إعادة ضبط وتوجيه هذا المجال بصورة أشمل، تضعه في إطار أكثر إحكامًا واتساقًا مع توجهات السلطة وبنية الحكم العسكري. وقد شمل ذلك إعادة توزيع الأدوار، وتقليص مساحات الفعل المستقل، وإبراز أنماط معينة من الخطاب الديني على حساب غيرها، بما يعيد تشكيل العلاقة بين الدين والمجال العام.
وفي هذا السياق، برز الحضور الصوفي بوصفه أحد المكونات التي جرى توظيفها ضمن هذه العملية، مستفيدًا من انتشاره الاجتماعي الواسع وطبيعته التي تميل إلى التركيز على البعد الروحي والابتعاد عن السياسة. وقد أتاح ذلك للسلطة الاستفادة من هذا الامتداد في دعم خطاب يركز على الاستقرار، ويحد من النزعات الاحتجاجية ويحاصر الاتجاهات التي تميل إلى الاشتباك مع الشأن العام.
ومن هنا تطرح هذه الدراسة إشكالية مركزية تتعلق بكيفية استخدام هذا الحضور الصوفي في دعم السلطة بعد 3 يوليو، ومدى إسهامه في تقليص مساحات الاعتراض داخل المجتمع، وما إذا كان هذا الدور يمثل تحولًا في طبيعة العلاقة بين التصوف والسياسة، أم امتدادًا لأنماط سابقة جرى تطويرها بما يتناسب مع السياق الجديد.
(2) السياق السياسي والأمني بعد 3 يوليو 2013
أفرزت مرحلة ما بعد 3 يوليو واقعًا سياسيًا وأمنيًا اتجه إلى إعادة تشكيل المجال العام بصورة واسعة، حيث جرى تفكيك مساحات الفعل المستقل، وتقليص أدوار الفاعلين الذين كانوا حاضرين بقوة قبل ذلك. وقد أدى هذا المسار إلى انكماش أو احتكار المجال العام، وتحوله إلى فضاء أكثر انضباطًا وتوجيها، تتحكم فيه قواعد محددة، تحد من الحركة خارج الإطار الرسمي أو المسموح به.
وفي ظل هذا التحول، برز خطاب الاستقرار بوصفه القيمة الحاكمة التي يجري تقديمها باعتبارها الأولوية المطلقة، متقدمًا على غيره من القضايا، بما في ذلك المطالب السياسية أو الدعوية. وقد جرى توظيف هذا الخطاب في إعادة ترتيب أولويات المجتمع، بحيث يُنظر إلى أي حراك أو اعتراض باعتباره مصدر تهديد، وهو ما أسهم في خلق بيئة تميل إلى تجنب الاعتراض وتغليب السلامة.
كما تزامن ذلك مع محاصرة المساحات المفتوحة للعمل السياسي والدعوي، سواء عبر إجراءات مباشرة أو من خلال إعادة تنظيم المجال، بما يقلص فرص التعبير أو الحشد خارج الأطر المحددة. وفي هذا السياق، أصبحت أنماط الخطاب التي تبتعد عن الاشتباك السياسي أكثر حضورًا، وهو ما مهد لظهور أدوار جديدة لبعض التيارات الدينية، في مقدمتها الصوفية، ضمن منظومة أوسع لإدارة المجال العام.
(3) الحقل الصوفي – البنية والانتشار
يمتد الحقل الصوفي في مصر عبر شبكة واسعة من الطرق والتنظيمات التي ترسّخت تاريخيًا داخل المجتمع، حيث يُقدَّر عدد الطرق الصوفية المعترف بها رسميًا بنحو 70 إلى 80 طريقة، تندرج تحت مظلة المجلس الأعلى للطرق الصوفية. وتضم هذه الطرق عددًا كبيرًا من الأتباع يُقدَّر بالملايين، مع تفاوت واضح في حجم كل طريقة ومدى انتشارها، إذ تبرز طرق كبرى مثل الرفاعية والبدوية والدسوقية والشاذلية بوصفها الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المجال الاجتماعي.
وتقوم البنية التنظيمية للطرق الصوفية على نظام هرمي يتصدره الشيخ أو القطب، يليه شبكة من المريدين والأتباع الذين تربطهم به علاقة تقوم على السمع والطاعة في الإطار الروحي والتنظيمي. ويُعاد إنتاج هذا الارتباط عبر حلقات الذكر، والزيارات، والمناسبات الدينية، ما يخلق نوعًا من التماسك الداخلي والانضباط الذي يمنح هذه الطرق قدرة على الاستمرار والتأثير داخل دوائرها.
ويتركز الحضور الصوفي بصورة لافتة في الأقاليم والريف، حيث يرتبط بالتراث المحلي والعادات الاجتماعية، كما يحظى بقبول واسع في أوساط الطبقات الشعبية التي تجد فيه إطارًا بسيطًا ومباشرًا للتدين. ويظهر هذا الامتداد بوضوح في المواسم والموالد الكبرى، مثل مولد السيد البدوي في طنطا أو مولد الحسين في القاهرة، والتي تشهد تجمعات ضخمة تعكس حجم الانتشار والتأثير.
ويكشف هذا الانتشار عن أن الحقل الصوفي ليس مجرد تيار ديني محدود، بل هو شبكة اجتماعية ممتدة، قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، وهو ما يمنحه وزنًا معتبرًا في تشكيل القيم والسلوك، حتى وإن ظل تأثيره في الغالب ضمن الإطار الاجتماعي والثقافي أكثر من كونه تأثيرًا سياسيًا مباشرًا.
(4) مخاطر استغلال التصوف ومحبة آل البيت كمدخل للتشيع
تُعدّ محبة آل البيت من القيم الراسخة في وجدان المسلمين عامة، وفي المجتمع المصري على وجه الخصوص، حيث ارتبطت تاريخيًا بالانتماء الديني والروحي، وشكّلت جزءًا من التدين الشعبي السني. وقد ظل هذا المعنى—في إطاره الصحيح—عاملًا إيجابيًا ينمي الارتباط بالدين، ويغذّي القيم الأخلاقية والروحية، دون أن يتحول إلى بناء عقدي مستقل أو مدخل للغلو.
غير أن هذا الامتداد الوجداني قد يتحول—في بعض السياقات—إلى نقطة استغلال، حين يُعاد تقديمه خارج إطاره السني المنضبط، أو يُوظّف لتمرير تصورات عقدية لا تنتمي إلى منهج أهل السنة. ويحدث ذلك غالبًا عبر خطاب عاطفي يركّز على الحب والتعظيم، دون تقديم الضبط العلمي الذي يحدد حدوده ومعانيه، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل التمييز لدى بعض قطاعات الجمهور.
وتزداد هذه المخاطر حين يتقاطع هذا المسار مع بعض صور الخطاب الصوفي غير المنضبط، خاصة في البيئات التي يغلب عليها الطابع الوجداني، حيث يُعاد توظيف مفاهيم مثل الكرامة، والتوسل، وتعظيم الأشخاص، بصورة تفتح المجال لتوسيع دائرة الغلو أو إدخال مفاهيم دخيلة بشكل تدريجي. ومع غياب التأصيل، يصبح الانتقال من المعنى المشروع إلى المعنى المنحرف انتقالًا ناعمًا لا يثير الانتباه في بداياته.
كما تلعب بعض المنابر —مثل المجالس الشعبية أو حلقات التعليم غير المؤطرة علميًا—دورًا في إعادة إنتاج هذا الخطاب، خاصة في البيئات التي تعتمد على التلقي الشفهي، حيث يُقدَّم الدين في صورة مبسطة، قد تغيب عنها الدقة العقدية. ويؤدي ذلك إلى تشكّل وعي ديني مركّب، يجمع بين عناصر صحيحة وأخرى غير منضبطة، دون قدرة واضحة على التمييز.
ولا يعني ذلك أن التصوف في ذاته يمثل مدخلًا للتشيع، بل إن الإشكال يرتبط بكيفية توظيف بعض مساحاته أو تشابه بعض صوره الظاهرية، وهو ما يستدعي قراءة دقيقة تفرّق بين الأصل والاستغلال. فالتصوف السني في حقيقته لا يتعارض مع منهج أهل السنة، لكن بعض صور تقديمه قد تُستخدم—عن قصد أو بغير قصد—كجسر لعبور مفاهيم أخرى.
ومن ثم، فإن التعامل مع هذه الظاهرة يقتضي تنمية الوعي المنهجي، القائم على الربط بين محبة آل البيت والإطار السني الصحيح، وتقديم خطاب علمي هادئ يعيد ضبط المفاهيم، دون إثارة صدام أو توسيع دوائر الاشتباه. فالمعالجة الفعّالة لا تقوم على الرفض أو التعميم، بل على التمييز والتصحيح، بما يحفظ للمجتمع توازنه، ويصون بنيته العقدية من الالتباس.
(5) العلاقة التاريخية بين التصوف والسلطة
“ليس التصوفُ لبسَ الصوفِ نلبسهُ ولا بكاؤُكَ إن غنّى المغنّونُ
إن التصوفَ أن تصفو بلا كدرٍ وتتبعَ الحقَّ والقرآنَ والدينُ”
تكشف قراءة التاريخ الإسلامي، والمصري على وجه الخصوص، عن أن العلاقة بين التصوف والسلطة لم تكن ثابتة على نمط واحد، بل تباينت بين التقارب والتوظيف من جهة، والاستقلال أو حتى التباعد في بعض اللحظات من جهة أخرى. ففي عصور متعددة، حرصت السلطة على التقرب من رموز التصوف لما لهم من حضور اجتماعي وتأثير روحي في الناس، وهو ما منحها قدرًا من القبول العام، خاصة في البيئات التي كان فيها للطرق الصوفية امتداد واسع.
وقد ظهر هذا التقارب بوضوح في العصور المملوكية والعثمانية، حيث جرى دعم الزوايا والتكايا، وتكريم بعض المشايخ، وإشراكهم في المجال العام بوصفهم مرجعيات دينية ذات تأثير. وفي المقابل، استفادت الطرق الصوفية من هذا القرب في توسيع نشاطها وترسيخ وجودها، ما خلق علاقة تبادلية تقوم على المصالح المشتركة، وإن ظلت في الغالب غير معلنة بصورة مباشرة.
ومع ذلك، لم تخلُ هذه العلاقة من لحظات استقلال أو مسافة، حيث حافظ بعض مشايخ التصوف على قدر من البعد عن السلطة، أو اتخذوا مواقف ناقدة في سياقات معينة، خاصة حين يتعلق الأمر بالظلم أو الانحراف. غير أن هذه الحالات ظلت محدودة إذا ما قورنت بحالات التقارب والتناغم، نظرًا لطبيعة التصوف التي تميل إلى تجنب الاشتباك السياسي والصدام المباشر.
وقد أسهم هذا التاريخ الطويل من التفاعل، بما يحمله من أنماط التعاون والتوظيف، في تشكيل إرث ممتد مهّد للعلاقة المعاصرة بين التصوف والسلطة. فهذا الإرث أوجد قابلية لدى الطرفين لإعادة إنتاج هذا النمط في سياقات مختلفة، مع اختلاف الأدوات والظروف، لكنه ظل قائمًا على الفكرة ذاتها: الاستفادة المتبادلة بين حضور ديني واسع وسلطة تسعى إلى شرعنة وترسيخ استقرارها داخل المجتمع.
(6) ثورة يناير وموقف الطرق الصوفية
لم يكن حضور الطرق الصوفية في ثورة يناير على مستوى واحد من التنظيم أو الوضوح، إذ اتسم في مجمله بقدر من المحدودية والتباين، حيث ظهرت مشاركات فردية من بعض الأتباع والمريدين، دون أن تعبّر عن قرار تنظيمي شامل من أغلب الطرق. وقد عكس هذا الطابع الفردي طبيعة البنية الصوفية التي لا تميل في الأصل إلى الانخراط في الفعل السياسي المباشر، كما عكس التردد في التعاطي مع لحظة ثورية مفتوحة على احتمالات غير محسوبة.
وفي هذا السياق، برز ما يمكن وصفه بحالة من الحياد لدى عدد من القيادات الصوفية، حيث فضّلت عدم الانحياز الواضح لأي طرف في بدايات الحراك، وهو ما يعكس نزعة عامة إلى تجنب الصدام والابتعاد عن التوترات السياسية. غير أن هذا الحياد لم يكن دائمًا ثابتًا، إذ شهدت بعض المراحل محاولات لتحريك قطاعات من الأتباع في اتجاهات محددة، في سياق التسابق أو التوازن مع القوى الثورية الحاضرة في الميدان.
وتظهر إحدى دلالات هذا التفاعل في محاولات استخدام التعبئة المرتبطة ببعض الطرق الصوفية في مواجهة الحشود الثورية، سواء عبر الحشد في مناسبات مضادة أو عبر إظهار حضور بديل يعكس توجهًا مختلفًا. وقد عكست هذه اللحظات إدراكًا مبكرًا لإمكانية توظيف هذا الامتداد الاجتماعي في موازنة الحراك الشعبي والثوري، حتى وإن ظل هذا الاستخدام محدود التأثير مقارنة بالزخم الذي شهدته الميادين.
وفي المجمل، يكشف موقف الطرق الصوفية خلال ثورة يناير عن حالة مركبة جمعت بين الحضور الفردي والحياد المؤسسي، مع محاولات محدودة للتوظيف في بعض اللحظات، وهو ما مهد لاحقًا لتحولات أكثر وضوحًا في موقع هذا الحضور داخل المشهد بعد تغير السياق السياسي.
(7) التحول بعد 2013
أدت التحولات التي أعقبت 3 يوليو إلى تغيّر واضح في مواقف عدد من الرموز المرتبطة بالحقل الصوفي، حيث انتقل بعضها من حالة الحياد إلى حالة التناغم مع السلطة، سواء عبر خطاب داعم أو عبر المشاركة في مناسبات ومواقف تعكس تقاربًا مع توجهات الدولة. ولم يكن هذا التحول منفصلًا عن السياق العام الذي ضاق فيه المجال أمام مواقف أخرى، واتسعت فيه مساحة القبول بخطاب يركز على الاستقرار ويبتعد عن التوتر.
وفي الوقت ذاته، أعادت الطرق الصوفية تموضعها داخل المشهد الجديد، بما يتناسب مع التغيرات التي طرأت على المجال العام، فمالت إلى الحفاظ على حضورها الاجتماعي من خلال التكيف مع القواعد السائدة، وتجنب أي صدام قد يهدد هذا الوجود. وقد انعكس ذلك في طبيعة الخطاب والممارسة، حيث غلبت عليهما النزعة إلى الابتعاد عن القضايا الجدلية والسياسية أو المواقف التي قد تُفسَّر بوصفها معارضة.
وفي هذا الإطار، برز استخدام الحضور الصوفي ضمن سياسات الضبط الاجتماعي، حيث أتاح انتشاره وتأثيره في قطاعات شعبية توجيه خطاب ديني يميل إلى الرضى والقبول، ويسهم في تهدئة المجال العام. وقد أصبح هذا الحضور جزءًا من منظومة أوسع لإدارة التوازن داخل المجتمع، من خلال التأثير في الوعي والسلوك دون الحاجة إلى أدوات مباشرة، وهو ما يعكس تحولًا في طريقة توظيف الدين داخل المجال العام بعد هذه المرحلة.
( آليات التوظيف المباشر
لم يعد الحضور الصوفي مجرد ظاهرة اجتماعية، بل جرى توظيفه بصورة مباشرة لخدمة توجهات السلطة داخل المجال العام. ويتجلى ذلك أولًا في الدعم الرسمي الصريح لقيادات الطرق، عبر الاعتراف المؤسسي، والتمكين داخل الهياكل المنظمة، وإتاحة حضور دائم في الفعاليات الرسمية، بما يمنح هذه القيادات شرعية مضاعفة، مقابل التزامها بسقف محدد لا يخرج عن الخط العام.
كما يظهر التوظيف بوضوح في استدعاء الرموز الصوفية إلى المشهد السياسي، سواء عبر مشاركتها في مناسبات وطنية أو عبر مواقف معلنة داعمة، وهو ما يضفي غطاءً دينيًا على اختيارات السلطة، ويحول المكانة الروحية إلى أداة لإنتاج القبول العام.
وفي مستوى آخر، تُستخدم شبكات الطرق الصوفية في الحشد الرمزي، خاصة في اللحظات التي تحتاج فيها السلطة إلى إظهار امتداد اجتماعي مؤيد، دون اللجوء إلى أدوات التعبئة التقليدية. فالحضور الكثيف في المناسبات، أو إظهار التأييد المعنوي، يؤدي وظيفة سياسية واضحة، حتى وإن لم يُقدَّم في صورة تنظيم مباشر.
في المحصلة، نحن أمام توظيف محسوب للحقل الصوفي، يستثمر امتداده الاجتماعي ورصيده الرمزي، مع الإبقاء عليه في إطار غير سياسي ظاهريًا، ليعمل كأداة دعم ناعمة تعزز توجهات السلطة وتمنحها غطاءً مجتمعيًا دون كلفة الصدام.
(9) آليات التأثير غير المباشر
تعمل آليات التأثير غير المباشر عبر إعادة تشكيل الإدراك العام دون إصدار توجيهات سياسية صريحة، وذلك من خلال خطاب ديني يقدّم الطاعة والخضوع بوصفهما المسار الأضمن لحفظ المجتمع، وفي المقابل يُصوِّر الاعتراض في كثير من الأحيان باعتباره مدخلًا للفوضى أو الاضطراب. ويُلاحظ حضور هذا الخطاب في المنابر والبرامج الدينية، حيث تُستحضر نصوص ومعانٍ تؤكد على تجنب المعارضة السياسية أو الاحتجاج، مع إغفال كافٍ للسياقات التي تربط هذه القيم بالعدل والمسؤولية والمحاسبة.
ومن مظاهر ذلك إبراز مفاهيم الصبر والرضا بصورة منفصلة عن بعدها الحركي أو الإصلاحي، فتُقدَّم كقيم نهائية تدعو إلى القبول بما هو قائم، بدل أن تكون مصدرًا للقوة الداخلية التي تدفع إلى الإصلاح والتغيير المنضبط. وتكمن دلالة هذا الطرح في أنه يعيد توجيه المعاني الدينية من كونها دافعة للفعل إلى كونها مهدِّئة له، وهو ما ينعكس على سلوك قطاعات من الجمهور.
كما يظهر تثبيط النزوع إلى الاحتجاج من خلال خطاب يحذّر باستمرار من الفتنة، ويقرن أي محاولة للاعتراض بنتائج سلبية، بما يرسّخ حالة من الحذر المفرط تجاه الفعل العام. هذا النمط من الطرح لا يمنع فقط الحراك، بل يخلق بيئة نفسية تميل إلى تجنبه، حتى في الحالات التي يكون فيها الاعتراض مشروعًا أو واجبًا.
وفي المحصلة، تسهم هذه الآليات في تشكيل مزاج عام يميل إلى القبول وتجنب الاعتراض، بل والنفور من فكرة التغيير ذاتها في بعض الأحيان، حيث يُعاد ترتيب الأولويات بحيث تتقدم السلامة والاستقرار على غيرهما. وبهذا يتحقق تأثير واسع دون تدخل مباشر، عبر خطاب يعيد صياغة الوعي ويؤثر في اتجاهاته على المدى البعيد.
(10)مدى علاقة نشر التصوف برؤية النفوذ السياسي الغربي ومراكز التفكير
تُظهر عدد من الدراسات الغربية أن الاهتمام بالتصوف لم يكن مجرد اهتمام معرفي أو ثقافي، بل ارتبط في كثير من الأحيان برؤية سياسية أوسع تتعامل مع الدين كأحد أدوات إدارة الصراع والنفوذ في العالم الإسلامي. ففي سياق ما بعد أحداث 11 سبتمبر، برز اتجاه داخل دوائر صنع القرار ومراكز البحث الأمريكية يرى في التصوف نمطًا دينيًا يمكن التعامل معه بوصفه “بديلًا هادئًا” في مواجهة التيارات الإسلامية ذات الطابع السياسي أو الحركي أو بديلا عنها.
وقد انعكس هذا التوجه في توصيات صريحة لبعض مراكز التفكير، مثل تقارير مؤسسة راند ومؤسسات أخرى، التي دعت إلى دعم ما سُمّي “الإسلام التقليدي” أو “الصوفي” باعتباره شريكًا مناسبًا في مواجهة ما يُنظر إليه كتيارات راديكالية. كما أشارت دراسات إلى أن مراكز بحثية مثل معهد السلام الأمريكي ومركز نيكسون رأت أهمية التعاون مع شبكات صوفية لتحقيق أهداف سياسية وأمنية أوسع.
وفي هذا الإطار، جرى تقديم التصوف في الخطاب الغربي باعتباره نموذجًا “متسامحًا” و”غير صدامي”، يُركّز على القيم الروحية الفردية مثل الحب والسلام، مقابل تصوير التيارات الأخرى بوصفها مرتبطة بالسياسة أو الصراع. وتكمن دلالة هذا الطرح في أنه لا يكتفي بوصف ظاهرة دينية، بل يعيد تشكيلها رمزيًا لتصبح أداة في بناء ما يُسمّى “إسلامًا مقبولًا” سياسيًا.
كما تشير بعض الأدبيات إلى أن هذا التوجه قد يصل إلى حد محاولة فصل التصوف عن بقية البنية الإسلامية، وتقديمه كبديل مستقل أو “إسلام خفيف”، وهو ما يخدم فكرة تقليل حضور الدين في المجال العام، وحصره في البعد الروحي الفردي.
وهكذا يمكن فهم هذا التوجه في ضوء مجموعة من الأهداف والدلالات الأوسع، من أبرزها:
توجيه التدين نحو المجال الفردي والروحي، بما يقلل من ارتباطه بقضايا السياسة أو المقاومة
خلق بدائل دينية أقل ميلاً للاشتباك، يمكن التعامل معها كشركاء في إدارة الاستقرار
إضعاف التيارات التي تربط الدين بالتحرر أو التغيير، عبر تقديم نماذج بديلة
استخدام “القوة الناعمة الدينية” في التأثير على المجتمعات بدلًا من الأدوات الصلبة
وفي المحصلة، لا يعني ذلك أن التصوف في ذاته ظاهرة منشأة أو موجهة من الخارج، فهو مكوّن أصيل في التراث الإسلامي، لكن طريقة تقديمه وتوظيفه في بعض السياقات الحديثة تكشف عن تداخل بين البعد الديني والاعتبارات السياسية، حيث يُعاد توجيه بعض جوانبه بما يخدم رؤى تتعلق بالاستقرار وإدارة النفوذ في المنطقة.
(11) التصوف كبديل في المجال الديني
يُقدَّم التصوف في السياقات المعاصرة بوصفه نمطًا من التدين يركّز على الجوانب الروحية والأخلاقية، وهو ما يجعله مقبولًا لدى قطاعات من المجتمع تبحث عن خطاب آمن يبتعد عن التوترات والصدامات مع السلطة. وفي ظل الضغوط التي تعرّضت لها التيارات الإسلامية ذات الطابع الحركي، وما ترتب على ذلك من كلفة مرتفعة للانخراط في المجال العام، برز هذا النمط من التدين بوصفه خيارًا آمناً وأقل حساسية، يتيح حضورًا دينيًا دون ارتباط مباشر بالصراع السياسي.
وفي هذا الإطار، يسهم هذا الطرح في تقليص مساحة التيارات الحركية أو محاصرتها، ليس فقط عبر الإجراءات المباشرة، بل أيضًا من خلال إعادة توجيه الاهتمام نحو خطاب يركّز على الفرد وسلوكه، ويبتعد عن قضايا التغيير العام. ومع تكرار هذا النمط في المنابر والإعلام، يتشكل تدريجيًا تصور لدى بعض الجمهور بأن التدين المنفصل عن السياسة هو المسار الأكثر أمانًا واستقرارًا.
كما يؤدي ذلك إلى توجيه قطاعات من الناس نحو خطاب غير سياسي، يُعلي من شأن السكينة والهدوء، ويقلل من حضور القضايا العامة في الوعي اليومي. ولا يعني هذا بالضرورة غياب أشكال أخرى من التدين الفاعل، لكنه يشير إلى تحول في التوازن داخل المجال الديني، حيث يتقدم نمط معين من الخطاب على حساب أنماط أخرى.
وفي المحصلة، يمكن فهم هذا المسار بوصفه جزءًا من إعادة تشكيل المجال الديني، عبر إبراز أنماط محددة من التدين تتسم بالهدوء والابتعاد عن الصراع السياسي، وهو ما ينعكس على طبيعة حضور الدين في المجال العام، وعلى العلاقة بين التدين والعمل العام لدى قطاعات كبيرة من المجتمع.
(12) ما بعد 2013 – تكثيف الاستخدام الرمزي
شهدت المرحلة التالية لعام 2013 حضورًا أوضح لأنماط تدين تميل إلى الهدوء وتجنّب الصدام فضلا عن شرعنة السلطة الجديدة، حيث جرى إبراز خطاب يركّز على السكينة والانضباط الاجتماعي، مع تجريف مساحات الطرح الذي يتناول القضايا العامة بصيغة نقدية. هذا التوجه انعكس في المنابر والبرامج الدينية، حيث تكررت مفردات الاستقرار وتهذيب السلوك الفردي بوصفها الأولويات المطلقة للمرحلة.
وفي هذا السياق، اتسع الظهور الإعلامي لرموز دينية تتبنى خطابًا قريبًا من هذا الاتجاه، مثل علي جمعة، وأسامة الأزهري، والحبيب علي الجفري، إلى جانب حضور شخصيات إعلامية دعوية مثل رمضان عبد المعز، مع اختلاف درجات اقترابهم من التصوف كمنهج أو خطاب. وقد أسهم هذا الحضور في ترسيخ نمط معين من التدين في الوعي العام، يقوم على التهدئة وتجنب الاشتباك.
بالتوازي، جرى تضييق المجال أمام الخطابات ذات الطابع الاحتجاجي أو النقدي، سواء عبر تقليل حضورها الإعلامي أو محاصرتها في الفضاء العام، وهو ما أعاد تشكيل التوازن داخل الحقل الديني لصالح الخطاب الداعم للسلطة. وتكمن دلالة هذا المسار في أنه لا يقتصر على إعادة توزيع الحضور، بل يمتد إلى إعادة صياغة أولويات الخطاب الديني نفسه، بحيث يتقدم البعد الفردي والأخلاقي على حساب البعد العام أو التغييري.
وفي المجمل، يعكس هذا التحول تكثيفًا لاستخدام البعد الرمزي للدين في إدارة المجال العام، من خلال إبراز أنماط محددة من التدين وتوسيع حضورها، بما يسهم في تشكيل مزاج عام أكثر ميلاً إلى القبول وتجنب الاعتراض السياسي.
(13) النماذج والرموز
شهدت المرحلة الأخيرة بروز عدد من الشخصيات التي تمثل—بدرجات متفاوتة—اتجاهًا دينيًا يميل إلى الطابع الروحي المجرد، حيث انتقلت بعض هذه الأسماء إلى مواقع مؤثرة داخل المؤسسات الدينية أو المجال العام. ويظهر ذلك في حضور شخصيات مثل أسامة الأزهري في موقع وزاري، وعلي جمعة في أدوار دينية وإعلامية واسعة، إلى جانب الحبيب علي الجفري الذي يحظى بانتشار إعلامي عربي، فضلًا عن شخصيات أخرى مثل عبد الهادي القصبي الذي يجمع بين موقعه في الطرق الصوفية ودوره السياسي، وهو ما يعكس تداخلًا بين المجالين الديني والعام.
كما يتجلى هذا المسار في الحضور الإعلامي المكثف لخطاب وجداني غير اشتباكي، يركّز على القيم الروحية والسلوكية، ويبتعد عن الخوض في القضايا السياسية أو النقدية. هذا النوع من الخطاب يجد مساحة واسعة في البرامج التلفزيونية والمنصات الرقمية، حيث يُقدَّم بلغة بسيطة ومؤثرة، تستهدف الجمهور العريض، وتسهم في تشكيل ذائقة دينية تميل إلى الهدوء وتجنب التوتر.
ومن زاوية أخرى، يبرز نمط يجمع بين الموقع الديني والدور العام أو السياسي لدى بعض القيادات، حيث لا يقتصر تأثيرها على الإطار الدعوي، بل يمتد إلى المشاركة في الفضاء العام، سواء عبر مؤسسات رسمية أو أدوار تمثيلية. ويعكس هذا التداخل نمطًا من توظيف الرمزية الدينية داخل المجال العام، بما يضفي على بعض المواقف طابعًا دينيًا أو أخلاقيًا يعزز من حضورها وتأثيرها.
وفي المحصلة، تكشف هذه النماذج عن إعادة تشكيل لمشهد الرموز الدينية، حيث يتقدم خطاب معين إلى الواجهة، مدعومًا بحضور مؤسسي وإعلامي، بما يجعله أحد المكونات الأساسية في توجيه الوعي العام خلال هذه المرحلة.
(14) دلالات تعيين أسامة الأزهري وزيرًا للأوقاف في هذا السياق
يحمل تعيين أسامة الأزهري وزيرًا للأوقاف دلالات تتجاوز البعد الإداري إلى الإشارة لطبيعة الاتجاه العام في إدارة المجال الديني، حيث يعكس اختيار شخصية ذات خطاب صرفي يميل إلى التهدئة والتركيز على الجوانب الروحية رغبة في ترسيخ نمط محدد من التدين في المجال العام. فهذا الاختيار لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع يسعى إلى تقديم خطاب ديني يبتعد عن الاشتباك السياسي، ويؤكد على قيم السكينة والاستقرار بوصفها أولويات.
كما يعكس هذا التعيين اتجاهًا نحو دعم حضور التصوف داخل المؤسسات الرسمية، بما يعزز من موقع هذا النمط من الخطاب مقارنة بغيره من الاتجاهات. وتبرز دلالته أيضًا في كونه جزءًا من عملية إعادة ترتيب الحقل الديني، حيث يتم الدفع بشخصيات قادرة على الجمع بين القبول المؤسسي والحضور الإعلامي، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في الوعي العام.
ومن زاوية أخرى، يشير هذا التعيين إلى إدراك لأهمية توجيه الخطاب الديني عبر شخصيات تحظى بقدر من القبول لدى قطاعات مختلفة، وتقدم طرحًا لا يثير حساسيات سياسية، بل يسهم في تهدئة المجال العام وشرعنة الحكم القائم. وفي هذا الإطار، يصبح الدور المتوقع من هذا النوع من القيادات مرتبطًا بإدارة الخطاب الديني بما يتسق مع توجهات السلطة، عبر التركيز على القيم العامة، وتقليل مساحة الجدل، وتجنب القضايا التي قد تدفع نحو الاحتجاج أو المعارضة.
وفي المجمل، يعكس هذا التعيين توجهًا مستمرًا نحو إعادة تشكيل المجال الديني من خلال اختيار شخصيات تمثل نمطًا معينًا من الخطاب، يمكن أن يسهم في دعم الاستقرار، وإعادة توجيه الوعي العام في اتجاه يبتعد عن الاحتجاج.
(15) محاصرة الحركات الإسلامية
شهدت المرحلة التي تلت 2013 تراجعًا ملحوظًا في حضور الحركات الإسلامية داخل المجال العام، حيث تقلّصت مساحات العمل الدعوي والتنظيمي بصورة كبيرة، سواء عبر القيود القانونية أو من خلال إعادة ضبط المجال الديني والإعلامي. وقد أدى ذلك إلى إضعاف البنية التي كانت تمكّنها من التواصل مع الجمهور أو التأثير فيه بصورة منظمة.
في هذا السياق، جرى تقديم أنماط من التدين—ومنها خطاب التصوف—بوصفها بديلًا أكثر أمانًا، يركّز على الجوانب الروحية والسلوكية، ويبتعد عن الارتباط المباشر بالشأن السياسي. هذا الطرح لا يقوم فقط على الإبراز، بل على إعادة ترتيب الأولويات داخل المجال الديني، بحيث يتراجع الحضور المرتبط بالفعل العام لصالح خطاب يركّز على الفرد.
كما انعكس هذا التحول على القدرة على التعبئة والتأثير، حيث فقدت الحركات الإسلامية جزءًا كبيرًا من أدواتها التقليدية، في حين لم تتجه الأنماط البديلة إلى ملء هذا الفراغ بنفس الآليات، بل حافظت على طبيعة غير تنظيمية، وهو ما ساهم في تقليل فرص الحشد أو التحرك الجماعي.
وفي المحصلة، أسهم هذا المسار في إعادة تشكيل صورة التدين لدى قطاعات من المجتمع، بحيث أصبح أكثر ارتباطًا بالسلوك الفردي والقيم الأخلاقية، وأقل اتصالًا بالفعل العام أو القضايا السياسية، وهو تحول يعكس تغيرًا في طبيعة العلاقة بين الدين والمجال العام، خلال مرحلة تشهد تكريسا عميقاً لنمط استبدادي غير مسبوق.
(16) إدارة الوعي العام
اتجهت إدارة المجال العام في هذه المرحلة إلى إعادة توجيه اهتمام قطاعات واسعة من الجمهور، بحيث ينتقل التركيز من القضايا العامة المرتبطة بالشأن السياسي أو الاجتماعي إلى قضايا فردية تتعلق بالسلوك والأخلاق والنجاح الشخصي. وقد أسهم الخطاب الديني والإعلامي في تكريس هذا التحول، من خلال إبراز موضوعات تزكية النفس وتحسين العلاقات اليومية، مقابل تراجع النقاش حول القضايا الكبرى.
وفي السياق ذاته، جرى ترتيب الأولويات بصورة تجعل الاستقرار في مقدمة الاهتمامات، بوصفه شرطًا لأي تقدم أو تحسن، وهو ما انعكس في الخطاب العام الذي يربط بين الهدوء المجتمعي والاستقرار. هذا الطرح يمنح القيم المرتبطة بالسكينة والانضباط موقعًا متقدمًا، ويحد من حضور الخطابات التي تدعو إلى التغيير أو الإصلاح.
كما يظهر أثر ذلك في تبرير مساحات الحس النقدي تجاه السياسات القائمة، حيث تتراجع الدعوات إلى النقاش المفتوح أو المساءلة، لصالح خطاب يميل إلى القبول والتكيف. ويتم هذا التحول غالبًا بصورة تدريجية، عبر تكرار أنماط معينة من الطرح في الإعلام والمنابر، بما يسهم في تشكيل تصور عام يفضّل تجنب الجدل، ويمنح الأولوية المطلقة للاستقرار.
وفي المجمل، تعكس هذه العملية إعادة صياغة للوعي العام، لا تعتمد فقط على الإجراءات المباشرة، بل على توجيه الاهتمامات وبناء تصور مختلف للأولويات، بما ينعكس على طريقة تفاعل المجتمع مع القضايا المختلفة.
(17) التهيئة لتقبل خيارات إقليمية
يتقاطع توجيه الخطاب الديني والإعلامي في هذه المرحلة مع مسار أوسع يهدف إلى خفض مستوى التوتر السياسي لدى الجمهور، بحيث يقلّ حضور القضايا السياسية أو القومية الحادة في الوعي اليومي، ويحل محلها اهتمام أكبر بالاستقرار والمعيشة والنجاح الفردي. هذا التحول لا يتم عبر إلغاء القضايا العامة، بل عبر تقليل كثافتها في المجال العام، وإعادة تقديمها في إطار أقل حدّة.
وفي هذا السياق، تتراجع مركزية بعض ملفات الصراع الكبرى في الخطاب المتداول، مثل قضايا الصراع مع الكيان الصهيوني، حيث يقلّ التركيز عليها مقارنة بما كان عليه في مراحل سابقة، وهو ما ينعكس على مستوى التفاعل الشعبي معها. ولا يعني ذلك غياب هذه القضايا من الوعي، لكنها لم تعد تحظى بذات الزخم أو الحضور في النقاش العام، خاصة مع تصاعد أولويات داخلية تتعلق بالاستقرار والاقتصاد.
كما يسهم هذا المناخ في خلق درجة أعلى من التكيف مع التحولات الإقليمية، حيث يصبح الجمهور أكثر استعدادًا لتقبّل سياسات أو ترتيبات جديدة طالما أنها تُقدَّم في إطار الحفاظ على الاستقرار أو تجنب الأزمات. ويتعزز ذلك عبر خطاب يربط بين الهدوء الداخلي والقدرة على التعامل مع المتغيرات الخارجية، دون الدخول في صراعات.
وفي المحصلة، يعكس هذا المسار إعادة صياغة تدريجية لطبيعة تفاعل الجمهور مع القضايا الإقليمية، بحيث يغلب عليه الطابع العملي القائم على التكيف، بدلًا من الطابع التعبوي المرتبط بالصراع، وهو ما يترك أثره على أولويات الوعي العام واتجاهاته.
(18) حدود هذا التوظيف
على الرغم من توظيف الحضور الصوفي في المجال العام، فإن قدرته على التحول إلى أداة حشد سياسي منظم تظل محدودة، نظرًا لطبيعة الطرق الصوفية التي تقوم أساسًا على الروابط الروحية والعلاقات الشخصية، لا على البنية التنظيمية القادرة على إدارة تحركات جماهيرية واسعة ذات طابع سياسي مباشر. وهذا يجعل تأثيرها أقرب إلى الامتداد الهادئ منه إلى التعبئة الصريحة، وربما كان هذا مقصوداً.
كما يبقى هذا التأثير في معظمه داخل الإطار الاجتماعي والثقافي، حيث يظهر في تشكيل القيم والسلوكيات العامة، وإعادة توجيه بعض أنماط التدين، دون أن يترجم بالضرورة إلى مواقف سياسية محددة أو تحركات جماعية مؤثرة في المجال العام. وهو ما يحدّ من قدرته على لعب دور حاسم في لحظات التغيير أو التحولات الكبرى.
وفي المقابل، تعتمد السلطة في إدارة المجال العام على أدوات أخرى أكثر مباشرة وتأثيرًا، مثل الأدوات الأمنية والإعلامية والاقتصادية، التي تملك قدرة أكبر على الضبط والتحكم في المسارات العامة. ويأتي استخدام الحضور الصوفي في هذا السياق كعنصر مكمل، لا كركيزة أساسية، ضمن منظومة أوسع تتكامل فيها الوسائل المختلفة لتحقيق أهداف محددة.
وفي المحصلة، فإن هذا التوظيف، رغم أهميته الرمزية والاجتماعية، يظل محدود الأثر إذا ما قورن بغيره من الأدوات، ويعمل في الغالب على مستوى التهيئة العامة للوعي، لا على مستوى الحسم أو التوجيه المباشر للأحداث.
(19) دلالات هذا المسار
يعكس هذا المسار إدراكًا واضحًا لثقل التدين الشعبي في تشكيل المزاج العام، حيث يُنظر إلى المجال الديني بوصفه أحد المفاتيح المؤثرة في توجيه السلوك الجماعي المصري، لا مجرد مساحة رمزية معزولة. ومن ثم، يصبح التعامل معه جزءًا من إدارة المجال العام، عبر إعادة ترتيب مكوناته وتقديم أنماط بعينها على غيرها.
كما يكشف هذا التوجه عن الجمع بين أدوات متعددة في إدارة المجتمع، حيث لا يقتصر الأمر على الوسائل المباشرة، بل يمتد إلى استخدام أدوات غير مباشرة تقوم على التأثير في الوعي وإعادة صياغة القناعات. هذا التكامل بين المسارين يمنح قدرة أكبر على تحقيق الاستقرار، من خلال المزج بين الضبط والإقناع.
وفي السياق ذاته، يبرز سعي إلى بناء مستوى من القبول الاجتماعي يوازي الأطر الرسمية، بحيث لا يقوم الاستقرار على الإجراءات فقط، بل على حالة من التكيف العام مع الواقع القائم. ويتحقق ذلك عبر خطاب يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح قيمًا معينة حضورًا أوسع داخل الوعي الجمعي.
كما تتجه هذه العملية إلى توجيه المجال الديني نحو التأييد أو على الأقل عدم الاعتراض، من خلال إبراز أنماط من التدين تميل إلى المهادنة والابتعاد عن الصدام. وهو ما ينعكس في النهاية على طبيعة العلاقة بين الدين والمجال العام، حيث يصبح الخطاب الديني جزءًا من منظومة أوسع تسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر التأثير في الوعي وتوجهاته.
(20) الخلاصات
تشير المعطيات إلى أن توظيف الحضور الصوفي في المجال العام تجاوز مجرد التهدئة إلى إحداث أثر أقرب إلى إعادة تشكيل السلوك السياسي لقطاعات من المجتمع، بما قاد إلى خفض ملموس في حدة ومساحات الاعتراض. وقد تحقق ذلك عبر خطاب يقدّم الاستقرار كقيمة عليا، ويعيد توجيه الاهتمام من القضايا العامة إلى الدوائر الفردية، بما يسهم في إضعاف الدوافع نحو الفعل الجماعي. وانعكس هذا المسار على المزاج العام، حيث تراجعت قابلية قطاعات واسعة للانخراط في موجات احتجاجية ممتدة، لصالح أنماط من التكيف والقبول بالواقع القائم.
ومع ذلك، لم يتحول هذا التوظيف إلى أداة حاسمة في المجال السياسي، نظرًا لحدود التأثير المرتبطة بطبيعة الطرق الصوفية التي لا تقوم على التعبئة المنظمة أو العمل الحركي المباشر. وهو ما يجعل دورها أقرب إلى الإسهام في التهيئة العامة، دون أن تكون عنصرًا فاعلًا في توجيه مسارات السياسة أو حسمها.
وفي المحصلة، ظل تأثير هذا الحضور مرتبطًا بطبيعته الاجتماعية والثقافية، حيث يعمل على مستوى تشكيل القيم والسلوكيات، أكثر من تأثيره في صناعة القرار أو التحرك الجماعي. وبذلك، يمكن فهمه كجزء من منظومة أوسع لإدارة المجال العام، يسهم في إعادة تشكيل الوعي، دون أن يكون الأداة المركزية في ضبطه أو توجيهه.
(21) توصيات مركز حريات
اعتماد مقاربة هادئة في التعامل مع الظاهرة، تقوم على التفكيك المعرفي والتصحيح التدريجي، بما يحقق تحجيم الانحرافات دون إثارة أو استنفار أو خلق صدام مباشر ينعكس سلبًا على المجال العام
توجيه الجهد نحو “محاصرة الفكرة المنحرفة” لا “مواجهة الأشخاص”، عبر تصحيح المفاهيم، وكشف الخلل المنهجي، وترك الواقع يعيد التوازن بصورة طبيعية
بناء بدائل تربوية ودعوية حقيقية تستوعب الاحتياج الروحي لدى الناس، وتقدّم نموذجًا يجمع بين صفاء التزكية ووعي الشريعة، بدل ترك هذا الفراغ لصور مشوّهة أو موظفة
تعميق المعاني الجامعة في الوعي الإسلامي، وعلى رأسها مسؤولية الأمة ووحدة همّها، وترسيخ دلالات مثل: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، في إطار يربط التزكية بالفعل والمسؤولية لا بالعزلة أو الانسحاب
إعادة تقديم التدين بوصفه جمعًا بين صلاح الفرد وإصلاح المجتمع، بما يمنع حصره في الدائرة الشخصية، ويعيد ربطه بقضايا الأمة وهمومها الكبرى
طرح ميثاق تعاون فكري ودعوي يقوم على المرجعية الصوفية المنضبطة بالكتاب والسنة، ويؤسس لمساحات مشتركة مع التيارات الإسلامية في إطار التعاون على الأصول الجامعة، وتجاوز مساحات الخلاف غير المؤثر
توسيع مساحات الالتقاء بين المدارس الإسلامية، عبر التركيز على المشتركات العقدية والمنهجية، وتقديم نماذج عملية للتكامل بين التزكية السنية والانضباط العلمي
تجنب الخطاب الإقصائي أو التعميمي في التعامل مع التصوف، والعمل بدلًا من ذلك على خطاب تفصيلي يفرّق بين الصحيح والمنحرف، بما يحفظ المصداقية ويمنع توسيع دوائر الخصومة
تطوير خطاب دعوي قادر على مخاطبة البيئات الشعبية المرتبطة بالتصوف، بلغة قريبة منهم، تستوعب حاجتهم الروحية، وتعيد توجيهها نحو الفهم الصحيح دون صدام
الاستثمار في بناء كوادر تمتلك الجمع بين الفقه الشرعي والوعي بالواقع، بما يمكنها من إدارة هذا الملف بحكمة، بعيدًا عن الانفعال أو المعالجات السطحية
توسيع أدوات التأثير المجتمعي والإعلامي، لتقديم نماذج بديلة للتدين تجمع بين الصفاء الروحي والحيوية الاجتماعية، بما يسحب البساط من أنماط التدين المنعزلة أو الموظفة
ترسيخ وعي استراتيجي داخل الحركات الإسلامية بأن معركة المجال الديني هي معركة طويلة النفس، تقوم على التراكم الهادئ، لا على المواجهات الحادة
إعادة ترتيب أولويات العمل الإسلامي بحيث يتقدم بناء الوعي العميق، القادر على التمييز، والصمود أمام محاولات التوجيه أو الاحتواء
الحفاظ على التوازن في الخطاب، بحيث تُقدَّم قيم السكينة والطمأنينة في إطارها الصحيح كقوة داخلية دافعة للإصلاح، لا كمدخل للقبول السلبي أو تعطيل الفاعلية







