مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: الجغرافيا بين الوعد والقوة.. حين تتحول السياسة إلى إدارة للزمن لا للخطاب

لا يُقصد بهذا النص توجيه اتهام أو تبرئة طرف، بل محاولة لقراءة المسار قبل إصدار الأحكام على نتائجه. فالإشكالية في تجارب هذه المنطقة لا تكمن فقط في الخسارة، بل في العجز عن فهم البنية التي قادت إليها. وعندما تغيب هذه القدرة، لا تعود الأخطاء أحداثًا عابرة، بل تتحول إلى نمط يتكرر بأشكال مختلفة، بينما يتسلل الوهم تدريجيًا ليصبح جزءًا من آلية اتخاذ القرار.

في هذا السياق، تبدو الحالة التركية مثالًا واضحًا على كيفية اشتغال عقل الدولة ضمن بيئة معقدة. ما يظهر أحيانًا كازدواجية في الخطاب ليس بالضرورة ارتباكًا، بل انعكاس لطريقة إدارة التناقضات. فالدول، خصوصًا في مناطق التماس الجيوسياسي، لا تتحرك وفق منطق التصريح، بل وفق منطق التمكين. تقول ما تفرضه اللحظة، لكنها تفعل ما يسمح به ميزان القوة. بهذا المعنى، تتحول الوعود من التزامات إلى أدوات مرحلية تُستخدم لكسب الوقت وإعادة ترتيب الشروط.

منذ انهيار مسار التسوية عام 2015، أعادت تركيا صياغة مقاربتها للملف الكوردي ضمن إطار أمني أوسع. لم يعد الموضوع محصورًا في الداخل، بل أُعيد تعريفه كامتداد جيوسياسي يتقاطع مع الحدود الجنوبية. ثم جاءت محاولة الانقلاب عام 2016 لتدفع هذا التحول إلى مستوى أكثر حدة، حيث أصبح الأمن ليس مجرد أولوية، بل عدسة تُقرأ من خلالها كل التحولات.

ضمن هذا التحول، يمكن فهم العمليات العسكرية في شمال سوريا كجزء من رؤية ممتدة، لا كاستجابات ظرفية:

  • درع الفرات لم تكن فقط عملية عسكرية، بل تثبيتًا لحدود مقبولة تركيًا.
  • عفرين مثّلت انتقالًا من الردع إلى إعادة تشكيل الواقع.
  • نبع السلام كشفت أن الترتيبات الدولية في المنطقة مرنة وقابلة للتبدل السريع.

هذه السلسلة تعكس استمرارية في الهدف مقابل مرونة في الوسائل، وهي سمة أساسية في سلوك الدول التي تدرك موقعها الجغرافي وحدود تهديداتها.

الوعي الكوردي: بين الجغرافيا كفرصة والجغرافيا كقيد

في المقابل، مثّل شمال شرق سوريا لحظة اختبار للفاعلين الكورد، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا. هنا برز التوتر بين قراءتين:

  • قراءة ترى السياسة كساحة توازنات مفتوحة يجب إدارتها.
  • وقراءة تميل إلى تثبيت المعادلات بناءً على التفاهمات المعلنة.

المعضلة لم تكن في خذلان الوعود، بل في منحها وزنًا أكبر من قدرتها الفعلية. في بيئة دولية متغيرة، لا تُبنى الاستراتيجيات على ما يُقال، بل على ما يمكن حمايته أو فرضه. وعندما يصبح خطاب الآخر مرجعية للقرار، يفقد الفاعل جزءًا من استقلاليته، ويجد نفسه داخل لعبة لا يحدد قواعدها.

تركيا والكورد: علاقة صراع داخل تداخل

رغم مظاهر الصدام، فإن العلاقة التركية–الكوردية أكثر تعقيدًا من ثنائية العداء. هي علاقة تتقاطع فيها أربعة مستويات رئيسية:

  1. الجغرافيا كعامل حاسم
    المنطقة الحدودية ليست مجرد خط فصل، بل فضاء تداخل بشري وتاريخي. لذلك، فإن أي تغير في هذا الفضاء يُقرأ في أنقرة كتحول استراتيجي، بينما يُقرأ كورديًا كفرصة تاريخية.
  2. الأمن مقابل الهوية
    هنا يكمن جوهر الصراع: الدولة تنطلق من هاجس السيادة، بينما تنطلق الحركات الكوردية من سؤال الهوية والتمثيل. هذا التباين يجعل كل طرف يقرأ تحرك الآخر كتهديد، حتى عندما يكون جزءًا من إعادة تموضع.
  3. الاقتصاد كمساحة تقاطع
    رغم التوترات، تظهر نماذج تعاون، خاصة في شمال العراق، حيث تفرض المصالح الاقتصادية نوعًا من البراغماتية التي لا تُنهي الصراع لكنها تنظمه.
  4. الداخل التركي كعامل مركزي
    القضية الكوردية ليست خارجية فقط، بل متجذرة داخل تركيا نفسها، ما يجعل أي تطور إقليمي ينعكس مباشرة على التوازنات الداخلية.

القوى الكبرى: إدارة التعقيد لا حله

الدور الأمريكي والروسي لا يمكن فصله عن المشهد، لكن من الخطأ قراءته كضامن أو حاسم. كلا الطرفين تعامل مع الملف الكوردي والتركي كأداة ضمن إدارة أوسع للتوازنات:

  • الولايات المتحدة دعمت ميدانيًا دون التزام استراتيجي طويل الأمد.
  • روسيا استخدمت التوازنات لتوسيع هامشها التفاوضي دون تثبيت حل.

هذا النمط يعكس حقيقة أساسية: القوى الكبرى لا تُنهي الصراعات في هذه المنطقة، بل تُبقيها ضمن مستوى يمكن التحكم به.

الخلاصة: السياسة كإدارة للواقع لا اختبار للنوايا

الدرس الأعمق لا يتعلق بسلوك طرف بعينه، بل بطريقة القراءة. في عالم تحكمه المصالح، لا تكفي النوايا ولا الخطابات لبناء سياسات مستقرة. ما يُحدد المسار هو القدرة على فهم:

  • ما الذي يريده الآخر فعلًا
  • وما الذي يمكن منعه أو فرضه عمليًا

حين يُستبدل هذا الفهم بالاعتماد على الوعود، تتحول الخسارة من حدث إلى نمط.

الفكرة النهائية

ليست المشكلة أن السياسة مليئة بالمناورة، فهذا من طبيعتها،
بل أن تُقرأ هذه المناورة كالتزام.

وليست الخسارة في جولة،
بل في إعادة إنتاج الشروط نفسها بأسماء جديدة.

فالذين لا يحوّلون تجاربهم إلى معرفة،
لا يعيشون التاريخ… بل يكررونه

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى