
منذ ثلاث سنوات، وفي مايو 2023، انطلق الحوار الوطني المصري رسميًا بعد أكثر من عام من التحضير، في لحظة كانت فيها البلاد تواجه ضغطًا اقتصاديًا شديدًا وتوترًا سياسيًا متصاعدًا، بينما كان المجال العام بحاجة إلى مساحة تسمح بإعادة التماس بين الدولة والقوى السياسية المختلفة.
وقد مثّل هذا الحوار محاولة لفتح نافذة سياسية في وقت بدا فيه أن الأزمات الاقتصادية وتراجع الثقة العامة يفرضان مخرجًا أقل كلفة من المواجهة المفتوحة.
لم يكن الحوار مجرد فعالية سياسية عابرة، بل جاء بوصفه استجابة لاحتقانٍ تراكم طويلًا، ولحاجة الدولة إلى إدارة الأزمة بقدر من الذكاء السياسي.
فبدلًا من الانغلاق الكامل، جرى فتح بابٍ منظم للنقاش يستوعب هذا الاحتقان ويؤطره، وقد أدى ذلك إلى السماح بعودة أطراف معارضة وشخصيات عامة إلى طاولة واحدة بعد سنوات من الجمود.
وفي المقابل، تعاملت اغلب قطاعات المعارضة بقدر من البراجماتية السياسية، فاختارت الحضور وطرح مطالب محددة بدلا من المقاطعة المعتادة، و بحثًا عن أي هامش ممكن للتأثير.
لقد كانت الآمال التي رافقت الحوار الوطني كبيرة، تمثلت في إعادة تنشيط الحياة السياسية، وتوسيع المجال العام، وتحسين مناخ الثقة، وبلورة إصلاحات تدريجية في ملفات الانتخابات، والحبس الاحتياطي، والإدارة المحلية، والحريات العامة.
كما ارتكزت رؤيتنا نحن المعارضة على أن الحوار قد يكون بداية انتقال سلمي من حالة مؤسسات نيابية محدودة التأثير إلى مسار أكثر حيوية وتعددية في النقاش والتمثيل.
ومن الناحية العملية، لا يمكن القول إن الحوار انتهى بلا أثر؛ فقد خرجت عنه توصيات عديدة، دخل بعضها حيز التنفيذ بشكل بطيء، أو جرى التعامل معه تشريعيًا أو سياسيًا، خاصة في بعض الملفات الاقتصادية والمسائل الاجتماعية والمؤسسية.
كما كان استمرار جلسات الحوار واتساع المشاركة شكّلا في حد ذاتهما كسرًا لحالة الانسداد شبه الكامل التي سبقت انطلاقه.
لكن، من الإنصاف أيضًا القول إن سقف التوقعات كان أعلى بكثير من النتائج المتحققة. فالحوار، رغم اتساعه لمناقشة 113 موضوعًا، لم ينجح في تحقيق اختراق سياسي كبير أو الوصول إلى توافق شامل بشأن القضايا الكبرى.
وظلت كثير من الملفات الجوهرية محكومة بقيود واضحة، منها القوانين المكملة للدستور وقوانين الانتخابات، كما بدا جليًا تباين موازين القوة بين المؤيدين والمعارضين.
كذلك بقيت العديد من التوصيات في مستوى الإقرار أو النقاش، دون أن تتحول إلى تغييرات مؤسسية عميقة أو سياسات عامة مُفعّلة على أرض الواقع.
لذلك، فإن وصف الحوار بأنه محطة مهمة لا يعني أنه محطة مكتملة؛ لكنه، بالتأكيد، كان خطوة مفيدة في لحظة صعبة، حتى وإن لم يصل إلى مستوى “العقد السياسي الجديد” الذي تخيلنا إمكانية الوصول له أو علّقت عليه قطاعات من الرأي العام آمالًا واسعة.
لقد جاء الحوار الوطني في لحظة كان فيها الاقتصاد يضغط على السياسة، وكانت السياسة بحاجة إلى مخرج يخفف التوتر ويمنع التصادم.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الدولة أحسنت إدراك أن التخفيف السياسي قد يكون جزءًا من إدارة الأزمة الاقتصادية، كما أحسنت قطاعات من المعارضة استثمار المساحة المتاحة بدل تركها بالكامل.
وهذه نقطة جوهرية؛ فالنجاح هنا لم يكن في حل كل شيء، بل في منع الانغلاق الكامل وإعادة فتح الباب أمام العمل السياسي السلمي. وحتى وإن كان المسار بطيئًا، فإنه يسير في اتجاه صحيحا يمكن البناء عليه.
ورغم أن ما تحقق كان أقل من المأمول، فإنه يمكن القول إن الحوار ساهم في إنتاج حياة سياسية أكثر تنافسية، وبرلمانٍ لاحق بدا أكثر فعالية خلال الأشهر الأولى من انعقاده، كما أفرز أحزابًا أكثر مبادرة، ووسع نسبيًا من المجال العام للمساءلة وصنع البدائل والمشاركة في طرح الحلول.
فالحوار لا يُقاس فقط بوجوده، بل بقدرته على تحسين الأداء السياسي وبناء مساحة أكبر من الثقة بين الأطراف، تنعكس في مؤسسات برلمانية أكثر تمثيلًا وتأثيرًا.
وللحديث بقية.







