شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: قانون التأمينات… حاكموا هذا الرجل أولا

كنتُ وما زلتُ ضد إحالة الدكتور يوسف بطرس غالي إلى المحاكمة في تلك التهم الهامشية التي حُوكم بها، وصدرَت ضده أحكام بشأنها، بينما الجريمة الكبرى التي ارتُكبت في حق أجيال كاملة لم تُفتح ملفاتها كما يجب، ولم يُحاسَب عليها أحد: جريمة الاستيلاء على أموال أصحاب المعاشات والتأمينات.

أيام كنت نائبًا في البرلمان، تقدّمتُ بعدد من الاستجوابات إلى الوزير الذي كان يتمتع بغطاءٍ سياسي واسع، حول مصير هذه الأموال. ولم يكن الصوت معزولًا؛ إذ كشفت وزيرة الشؤون الاجتماعية آنذاك، الدكتورة ميرفت التلاوي، عن كثير من التفاصيل بعد ثورة يناير، في شهادةٍ لا تزال قائمة، لكنها لم تُحرّك هذا الملف كما يستحق.

تمرّ السنوات… ويعود الرجل إلى بلده معزّزًا مكرّمًا، بينما تبقى الجرائم الكبرى معلّقة بلا حساب.

وبالأمس، تابعنا موافقة مجلس النواب نهائيًا على تعديل قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، مع رفع القسط السنوي إلى 238.55 مليار جنيه، وزيادات مركبة تصل إلى 7%، والتزام يمتد لخمسين عامًا.

أرقام كبيرة… لكن السؤال أكبر:

هل تعود الحقوق إلى أصحابها…
أم تُرحَّل الأزمة إلى المستقبل؟

القضية لا تبدأ من حجم المبالغ، بل من طبيعة الالتزام. سداد يمتد لنصف قرن يفتح باب الشك حول عدالة توزيع الأعباء بين الأجيال، وزيادات لا ترتبط بوضوح بالتضخم قد تُفقد هذه الأرقام قيمتها الحقيقية مع مرور الوقت.

المعضلة الأعمق أن إدارة أموال التأمينات لا تزال تدور في فلك الموازنة العامة، أكثر مما تعكس استقلالًا حقيقيًا لصناديق هي في الأصل ملك لأصحابها. تجربة الماضي، وما أُثير حول توظيف هذه الأموال خارج إطارها التأميني، لا تزال تلقي بظلها الثقيل على الحاضر، وتؤثر في مستوى الثقة.

الدستور ألزم الدولة بضمان حياة كريمة للمواطنين عبر نظام تأميني عادل، لكن الواقع يكشف فجوات مستمرة: تفاوت بين المعاشات، وتراجع في القيمة الفعلية أمام تكاليف المعيشة.

المسألة ليست تعديل قانون…
بل اختبار حقيقي لعلاقة الدولة بالمواطن.

التأمينات ليست رقمًا في الموازنة…
بل عمرٌ ادّخره الناس ليوم الحاجة.

وما يُبنى على الثقة…
لا يحتمل التأجيل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى