شباك نورملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة . الدولة الممكنة.. تخدم لا تملك (٥)

موقفي الفكري والحزبي والوطني “الليبرالي,المصري” من ملكية الدولة، ليس بسطحيه الطرح يحضر الاجابه بين خيارين:
(مع او ضد)

فالسؤال عن ملكية الدولة لا يعود اليوم إلى تعريفها النظري، بل إلى قدرتها على البقاء كإطار عادل وفعّال ينظّم حياة الناس ويمنحهم فرصة عادلة للحياة.

صورة الدولة التي تراكمت عبر سنوات طويلة، حيث تتسع الأدوار وتتشابك الوظائف، لم تعد قادرة على مواكبة واقع يتغير بسرعة، ولا مجتمع أصبح أكثر وعيًا بتكاليف هذا التداخل.

و هنا يبدأ البحث عن “الدولة الممكنة” لا بوصفها حلمًا بعيدًا، بل باعتبارها إعادة ترتيب لما هو قائم، وتصحيحًا لمسار لم يعد يحتمل الاستمرار على صورته القديمة.

جذور هذا التصور تعود إلى لحظات بناء الدولة الحديثة في مصر، حين كان التوسع في الدور العام ضرورة تاريخية لتعويض ضعف المجتمع الاقتصادي، وغياب قوى إنتاجية قادرة على قيادة التنمية.

الدولة آنذاك كانت تبني وتنتج وتدير وتوظف، وكان ذلك جزءًا من معادلة البقاء. لكن ما كان ضرورة في زمن، تحول إلى عبء في زمن آخر، حين تغيرت طبيعة الاقتصاد، واتسعت قدرات المجتمع، وأصبح العالم يقوم على المنافسة والمرونة لا الاحتكار والسيطرة.

هذا التحول لم يحدث في مصر وحدها، بل شهدته دول كثيرة، لكن الفارق أن بعضها أعاد تعريف دور الدولة في الوقت المناسب، بينما تأخر البعض الآخر فدفع كلفة أكبر.

في تجارب مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، احتفظت الدولة بدور قوي، لكنها لم تعد لاعبًا مباشرًا في كل شيء، بل أصبحت منظمًا ذكيًا يضع القواعد ويضمن الالتزام بها. هذا التحول لم يُضعف الدولة، بل زاد من قدرتها، لأنه حررها من أعباء الإدارة اليومية، وجعلها أكثر تركيزًا على وظائفها الأساسية.

في المقابل، تشير دراسات البنك الدولي وتقارير الحوكمة العالمية إلى أن الدول التي ظلت تجمع بين دور المنظم والمنتج والمنافس تعاني من ضعف الكفاءة وارتفاع التكلفة، وتراجع معدلات النمو على المدى الطويل.

السبب ليس في حجم الدولة بحد ذاته، بل في تضارب الأدوار، حيث تصبح الدولة حكمًا وخصمًا في آن واحد، وهو ما يربك السوق، ويضعف الثقة، ويقلل من فرص الابتكار.

الحالة المصرية اليوم تعكس هذا التداخل بوضوح.

الدولة حاضرة في قطاعات عديدة كفاعل مباشر، وفي الوقت نفسه مطالبة بتنظيم هذه القطاعات. هذا الوضع يخلق بيئة يصعب فيها تحقيق توازن حقيقي بين المنافسة والعدالة.

القطاع الخاص يتردد، ليس فقط بسبب نقص الفرص، بل بسبب غياب وضوح القواعد واستقرارها. المواطن بدوره يشعر بعبء متزايد، دون أن يرى دائمًا عائدًا متناسبًا في جودة الخدمات.

الدولة الممكنة لا تعني دولة أقل حضورًا، بل دولة أكثر دقة في حضورها.

دولة تعرف أين يجب أن تتدخل، وأين يجب أن تترك المساحة لغيرها. هذا التمييز هو جوهر التحول.

فالدولة التي تحاول أن تفعل كل شيء، تنتهي غالبًا إلى أنها لا تفعل أي شيء بالكفاءة المطلوبة. أما الدولة التي تحدد أولوياتها بوضوح، فإنها تستطيع أن تحقق أثرًا أكبر بموارد أقل.

الطريق إلى هذا النموذج يبدأ بإعادة تعريف الوظائف الأساسية للدولة: الأمن، والعدالة، والتنظيم، وتوفير الخدمات الأساسية.

خارج هذه الدوائر، يصبح دور الدولة داعمًا لا مسيطرًا، محفزًا لا منافسًا. هذا لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني ممارستها بشكل مختلف، يفتح المجال للمجتمع والقطاع الخاص ليكونا شريكين حقيقيين في عملية التنمية.

تجارب التحول في دول مثل ماليزيا والبرازيل تشير إلى أن إعادة هيكلة دور الدولة يمكن أن تتم تدريجيًا دون صدمات، إذا اقترنت بإصلاحات مؤسسية واضحة، وبرامج حماية اجتماعية فعالة.

في ماليزيا، تم تقليص دور الدولة في بعض القطاعات مع تعزيز الرقابة والشفافية، مما أدى إلى جذب استثمارات جديدة وزيادة معدلات النمو. وفي البرازيل، ساهمت برامج الدعم الموجه في تخفيف آثار التحول على الفئات الأكثر هشاشة.

في مصر، يمكن لهذا التحول أن يبدأ بخطوات عملية: إعادة تقييم أدوار الكيانات الاقتصادية التابعة للدولة، وطرح جزء منها للشراكة مع القطاع الخاص بشفافية، مع الحفاظ على القطاعات الاستراتيجية تحت إشراف الدولة.

إصلاح الجهاز الإداري، عبر تبسيط الإجراءات وتوسيع الرقمنة، سيقلل من البيروقراطية ويزيد من الكفاءة. كما أن استقرار التشريعات ووضوحها يمثلان شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المستثمرين.

البعد الاجتماعي لهذا التحول لا يمكن تجاهله.

أي إعادة توزيع للأدوار يجب أن تراعي حماية الفئات الأكثر تأثرًا، من خلال سياسات دعم ذكية تستهدف من يحتاجها فعلاً، بدلًا من الدعم العام الذي يهدر الموارد.

الاستثمار في التعليم والصحة هنا ليس بندًا إنفاقيًا، بل شرطًا لنجاح أي تحول اقتصادي، لأنه يرفع من كفاءة العنصر البشري ويزيد من قدرته على التكيف.

السيناريوهات المطروحة أمام مصر تتراوح بين الاستمرار في النموذج الحالي، مع ما يحمله من ضغوط متزايدة، أو الانتقال إلى نموذج الدولة الممكنة بشكل تدريجي ومدروس.

السيناريو الأول قد يبدو أقل تكلفة على المدى القصير، لكنه يحمل مخاطر تراكمية كبيرة. السيناريو الثاني يتطلب شجاعة سياسية وإدارة دقيقة، لكنه يفتح أفقًا أوسع للنمو والاستقرار.

التكلفة السياسية لهذا التحول حقيقية، لأن إعادة توزيع الأدوار تمس مصالح قائمة، وتثير مخاوف مشروعة لدى قطاعات من المجتمع.

لكن إدارة هذا التحول بشفافية، وشرح أهدافه بوضوح، يمكن أن يحول هذه المخاوف إلى دعم تدريجي. التجارب الدولية تؤكد أن المجتمعات تقبل الإصلاح حين تشعر بعدالته، وتلمس نتائجه.

الدولة الممكنة ليست فكرة مثالية، بل صيغة عملية للتعامل مع واقع معقد.

هي دولة قوية بقدرتها على التنظيم، لا بحجم تدخلها، وعادلة في تطبيق القانون، لا في امتلاك الموارد. هي دولة تخلق الفرص بدل أن تحتكرها، وتدير التوازن بدل أن تختل فيه.

مصر، بما تمتلكه من موقع جغرافي متميز، وكتلة سكانية شابة، وتاريخ مؤسسي طويل، تملك كل مقومات هذا التحول.

ما ينقصها ليس الموارد، بل إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع والسوق. حين يتحقق هذا التوازن، يصبح “الممكن” أكثر قربًا، ويتحول من فكرة إلى واقع.

السؤال لم يعد هل يمكن الوصول إلى الدولة الممكنة، بل متى نبدأ الطريق إليها، وكيف نُديره بكفاءة.

الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدد شكل مصر في السنوات القادمة، ويصنع الفارق بين دولة تدير أزماتها، ودولة تصنع مستقبلها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى